اتهم وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد يوم الثلاثاء الماضي منتقدي سياسات إدارة الرئيس بوش المتعلقة بما يسمى مكافحة الإرهاب واحتلال العراق بأنهم يحاولون «إشاعة نمط جديد من الفاشية» (وهذا مصطلح أصبح يتكرر في خطب رؤوس إدارة البيت الأبيض)، ووصفهم بأنهم «يعانون من شيزفروينيا أخلاقية وعقلية، وبأنهم يجهلون ما يهدد الأمن الأميركي ولا يمتلكون الشجاعة لمكافحته».

جاء رد رامسفيلد هذا بمناسبة انطلاق الحركة العالمية التي يتزعمها الناشط السياسي الأميركي رامزي كلارك يوم الأربعاء الماضي، والرامية إلى محاسبة بوش وإسرائيل على الجرائم التي ارتكبوها في كل من فلسطين ولبنان، وكذلك.

وعلى ما أعتقد، كان هذا أيضا ردا على حركة مناهضة الحرب التي ينضم إليها الكثير من المثقفين والأكاديميين في العالم، أمثال نعوم تشومسكي والروائي صنع الله إبراهيم، وأهداف سويف، والكثير الكثير من الأسماء العربية والغربية التي لا تسعفني الذاكرة برصدها.

مازال رامسفيلد وكل من يعمل في طاقم الرئيس بوش من الرؤوس المدبرة لكل هفوات الرئيس الحربية والدبلوماسية، والمخططون لشكل الامبريالية الأميركانية/البريطانية، يعيشون.

كما يبدو، في حالة نكران لكل الهزائم والفشل الدبلوماسي والسياسي الذي يواجهونه يوميا، سواء في العراق أو في أفغانستان أو لبنان، ولحركة المقاومة العالمية لخططهم الامبريالية. حالة النكران هذه هي حالة سيكولوجية، وتفسر في هذا المجال على أنها محاولة للتهرب من مواجهة الهزيمة والفشل والاعتراف بهما، كما أنها تعبر عن حالة الغرور.

والتي عادة ما تصاب بها معظم الامبرياليات والدكتاتوريات في العالم. حالة الغرور التي قد تصل إلى حد العمى، بحيث أن من يعيشها لا يرى الحقائق كما هي في الواقع ولكن يراها بالشكل الذي يرضي هذا الغرور مما يجعله يتمادى في غيه ونزواته، والتي قد تؤدي في النهاية إلى تدهوره وأفوله.

إن هذه الإمبريالية الجديدة المرتبطة باسم الرئيس بوش وبلير، والتي لم تعد حكرا على أروقة ومكاتب المحافظين الجدد، والداعمين لهم من العماليين الجدد في بريطانيا، وحتى بعض الليبراليين الجدد من أبناء جلدتنا، قد امتدت وتجاوزت كل الحواجز والمتاريس، وأصبحت أهدافها المتلخصة في السيطرة على العالم وثرواته واضحة وجلية للعيان، برغم تسترها بستار الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إلا أنه وبالرغم من قوة وفي نفس الوقت حداثة هذه الإمبريالية، حيث إنها مازالت في سنتها الخامسة على وجه التقريب، إلا أنها منذ البداية اصطدمت بمعارضيها من أبنائها وأبناء العالم الأحرار الذين يسعون بجهد لإحباط مخططاتها.

ففي العراق، أرض الاختبار الكبرى للتدخل الليبرالي، كما يسميها أحد كتاب جريدة الجارديان البريطانية، أدت حركة المقاومة المستمرة ضد جيوش الاحتلال، إلى جانب فشل رؤساء الوزراء المنتقين بعناية من قبل الحكومة الأميركية (وإن كان هذا الانتقاء متسترا بمهرجان انتخاب ديمقراطي لا يصدقه غير الليبراليين الجدد من أبناء جلدتنا) لخلق وتأسيس ولو شكل خارجي من الاستقرار، إلى أن يعيد الرئيس بوش التفكير في تطبيق «تجربته الديمقراطية» ويتنازل عنها في مقابل تأسيس تجربة دكتاتورية بروح ونكهة أميركية.

في أفغانستان، وحسب القول العربي الدارج «يا قلبي لا تفرح»، فإن حكومة الرئيس الأفغاني المنتخب أميركيا تتخبط في حالة من الفساد غير المسبوقة، وقد تمت إعادة القوة لجنرالات الحرب المدعومين بدولارات زراعة وبيع الأفيون الأفغاني، ذلك المنتج الذي كان أحد المبررات التي استخدمت لضرب حركة طالبان، باعتبارها تشجع على زراعة الأفيون بشكل غير معترف به دوليا، على الرغم من وجود معلومات دولية تنفي هذا الزعم.

والنتيجة هو عيش الأفغان في صراع وحشي لم ير له مثيل منذ الحرب الكورية، وذلك على حد تعبير قائد الجيش البريطاني في أفغانستان، كما يذكر أحد كتاب صحيفة الجارديان البريطانية. ولن أتطرق هنا بالتفصيل لحال المرأة الأفغانية.

والذي كان أيضا أحد مبررات ضرب أفغانستان، بل يكفي القول إن المرأة الأفغانية بدل من أن تعيش الحرية التي وعدت بها تعيش اليوم حالة من الخوف والرعب، بالإضافة للفقر والعوز. فما قيمة الحرية في مثل هذا الوضع؟ وهل الامبريالية الجديدة فعلا معنية بحرية ورفاه المرأة الأفغانية أوالعراقية، أشك في ذلك.

أما في لبنان، فكل الذخيرة الأميركية المتطورة تكنولوجيا والتي مرت عبر المطارات البريطانية بموافقة ومباركة من حكومة السيد بلير، لم تستطع هزيمة لا لبنان ولا شعبه المؤمن بحقه وقضيته، ورجعت يد أميركا الطولى والأقوى، كما يصف جنرالات الحرب الإسرائيليين أنفسهم، خائبة مخزية دون أن تحقق أهدافها النتنة.

لا يقتصر تعسف الإمبريالية الجديدة على الشرق الأوسط، ولكنه أيضا يمارس على مواطنين هذه الإمبريالية ذوي الأصول الإسلامية والعربية أو ذوي الأصول غير الأوروبية بشكل عام، ولعل أحداث لندن الأخيرة خير دليل على ذلك. إن هذه الإمبريالية مشروع حقيقي يسعى مخططوها لتعزيزها بهمة غير مسبوقة متناسين بذلك كل القوانين والأعراف الدولية، ومتجاهلين فضائحهم الأخلاقية المتكررة.

هذه الحقيقة أدت إلى انشغال الكثير من العقول النظيفة والحرة في العالم بدراسة هذه الامبريالية ووضع الآليات الفعالة لمواجهتها والوقوف ضدها، ومن هنا ظهرت وتعززت الحركات المناهضة لها والمضادة لحروبها غير الشرعية وغير الإنسانية. لكن على ما يبدو إن قيادي الامبريالية الجديدة هذه لم يدركوا حتى الآن أن سياساتهم في بلدانهم أو في الشرق الأوسط أو غيره من بقاع العالم لم تولد إلا مقاومة ورفض.

الإحصائيات البريطانية تشير إلى ان حوالي ثلثي الرأي العام البريطاني يعتقد إن السياسة الخارجية البريطانية خانعة للولايات المتحدة الأميركية، وأن احتلال العراق وغيرها من الدول فعل فاشل بكل المقاييس. هذا بالإضافة إلى أن حركة مناهضة الحرب في حالة توسع وازدياد مطرد لم يسبق له مثيل في الغرب أو العالم ككل، ألا إن كل من بريطانيا وأميركا مازالتا تتماديان في الغي والتعسف.

إن العالم اليوم يشهد حركة مقاومة عالمية شرسة وغير مسبوقة لهذه الإمبريالية، يشهد حركة اتحاد شعبي وإنساني عالمي. ففي هذه المرحلة التاريخية اتحد اليسار البريطاني مع الجماعات البريطانية المسلمة لمعارضة الحرب ولدعم الحريات المدنية.

وفي حرب لبنان الأخيرة قتل سبعة مقاتلين شيوعيين وهم يدافعون عن بلدهم ضد العدوان الإسرائيلي جنبا إلى جنب مع مقاتلي حزب الله، ناهيك عما يحدث في محيط «الجوار» لأميركا «أميركا اللاتينية» من مقاومة مضادة لإمبريالية بوش وبلير، ومن الواضح أن ما يجمع هؤلاء الأحرار باختلاف عقائدهم وتصوراتهم هدف واحد نبيل متمثل في خلق والمحافظة على عالم جميل يعمه السلام والتعددية والاختلاف، وخال من الهيمنة والاستبداد.

جامعة الامارات

albaharm@yahoo.com