حكاية العلاقة بين السلطة والحكومة الفلسطينيتين، تكاد تصبح حكاية إبريق الزيت. وبالتحديد موضوع تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها وتجمع في تركيبتها الطرفين الأساسيين: «فتح» و«حماس».

ترتفع درجة التأزيم بين الاثنين. تصل إلى عتبة الاحتكاكات العسكرية. وأحياناً تقع المواجهات المحدودة. فتسارع القيادتان إلى تطويق الأحداث وتنشط اللقاءات والاتصالات، ويتم التذكير بالخطوط الحمر؛ التي تتردد الالتزامات والتعهدات بعدم اجتيازها. ثم يبدأ البحث من جديد عن مخرج للأزمة الحالية؛ لفك حالة الحصار والعزلة عن الشعب الفلسطيني لكن سرعان ما يعود التأزيم إلى الساحة.

يتعذر التوافق، ويرجع الوضع مرة ثانية إلى دائرة لعبة العض على الأصابع. وهكذا دواليك. الانشغال بالصراعات الداخلية مستمر فيما تتابع إسرائيل اعتداءاتها.

آخر جولة في هذه اللعبة المكلفة، تجري فصولها منذ أيام قليلة. الموظفون في المؤسسات الرسمية الفلسطينية أعلنوا ونفذوا الإضراب عن العمل؛ احتجاجاً على عدم تسلمهم رواتبهم؛ منذ ستة أشهر ومن ضمنهم، معلمو المدارس. ودعت نقابتهم إلى تنظيم اعتصام وأيضاً مسيرات أمام مكتب رئيس الوزراء.

استثار ذلك اتهامات متبادلة بين «فتح» و«حماس»؛ حول ظروف وغايات الإضراب. الثانية وصفت خطوة الموظفين والمعلمين بأنها «غير شرعية». ورأت أن ما يحصل في هذا الصدد هو «أداة من أدوات الضغط على قيادة حماس لحملها على تشكيل حكومة وحدة وطنية». وحذرت المضربين بأنهم «لن يفلحوا في ما يفعلون» وبأن قيادة حماس «ستكون قادرة على الصمود والوقوف في وجه التحديات التي تواجهها بكل قوة.

المضربون ـ المحسوبون على السلطة ـ يتحدثون عن تصعيد الإضراب الشامل ومواصلته إلى حين.

وفي ذات الوقت يتوالى التراشق حول الحكومة. مصادر السلطة تتحدث عن إعلان وشيك ـ خلال عشرة أيام ـ عن حكومة وحدة وطنية. وترد أوساط حماس بأن مثل هذا الكلام «أقرب إلى الأماني منه إلى الواقع»! وبموازاة ذلك تفيد مصادر الطرفين بأن الاتصالات جارية حول البرنامج السياسي للحكومة العتيدة. بل إن بعض التقارير أشارت إلى تزايد التوتر بين الفريقين وإلى حد يخشى معه من وقوع صدامات!

ويتفاعل المشهد الفلسطيني بهذه الصورة، في اللحظة التي تتوالى فيها إشارات أوروبية حول النية لتحريك عملية السلام. قبل عدة أيام تحدث الرئيس الفرنسي؛ في هذا الخصوص. وأول أمس توافق وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، خلال لقائهم في فنلندا، على ضرورة القيام «بدور رئيسي» في إنهاء الصراع في الشرق الأوسط؛ وذلك على أرضية الاعتقاد بأن الظروف الراهنة «تشكل فرصة مناسبة» لمثل هذا التحرك.

كما أن المراوحة والتصعيد على الساحة الفلسطينية يجريان فيما تتمادى إسرائيل في سياسة الاغتيال والحصار والتنكيل بالشعب الفلسطيني؛ في غزة كما في الضفة. فسقوط الضحايا صار مسألة يومية؛ في ظل صمت وتجاهل دوليين وترك حكومة أولمرت تشد الخناق على مناطق الاحتلال؛ بالصورة التي تراها مناسبة.

أليس من حل للإشكالية الفلسطينية ـ الفلسطينية هل هي أكثر تعقيداً وخطورة وأهمية من التحرك للتصدي للاحتلال؟ ثم، هذه الحكومة العتيدة، التي تقتضيها الظروف الفلسطينية الراهنة ومصيريتها؛ ألم تنضج بعد حيثيات تشكيلها؟ هل يجوز استمرار النزاعات الداخلية ومواصلة استنزاف الساحة فيما إسرائيل تسرح وتمرح وتتلاعب بالمصير الفلسطيني؟ أسئلة مطروحة على كافة القوى الفلسطينية حيث لم يعد مقبولاً السكوت عليها.