مع «مخاض» الشرق الأوسط الجديد الذي تحدثت عنه كوندوليزا رايس يتجه الملف النووي الإيراني بدوره نحو «مخاض» جديد، ولكن ولما كان ثمة رؤيتان مختلفتان لهذا الشرق الأوسط الجديد من وجهتي نظر كل من واشنطن وطهران، فإن من الطبيعي أن يحاول كل منهما إدارة عملية «المخاض» هذه باتجاه «الولادة» التي تناسبه وترضيه.
لقد فشلت واشنطن على مدى نحو ثلاث سنوات مضت أن توقف نشاط طهران النووي مما أدى إلى نجاح العاصمة الإيرانية ليس فقط في فك الحصار النووي من حولها بل إلى وضع اليد على علوم «الدورة النووية الكاملة» ما دعاها لإعلان نفسها عضواً في النادي النووي العالمي!
ليس مهماً كثيراً مدى دقة ما ذهبت إليه طهران في إعلانها المدوي عن دخولها ذلك النادي المحرَّم على دول «مارقة» وخاصة إذا ما كانت مسجلة في «محور الشر» كما هي الصفة التي يطلقها عليها الراعي الأول لذلك النادي، بقدر ما هو مهم التحدي المعلن من جانب طهران بأنها قد تجاوزت خطر تعرض مشروعها النووي إلى التفكيك أو الزوال أو حتى نزع «سلاحها» الأهم في هذا التحدي!
إنه بالطبع «سلاح» التخصيب أو القدرة على التخصيب بإمكانات محلية وخبرات وطنية في ظل عزم قومي راسخ وإجماع والتفاف شعبيين قل نظيرهما في تاريخ إيران الحديث حول قضية من هذا النوع!
لقد كان وقع هذا التحدي لدى واشنطن مدوياً كما يعتقد البعض إلى الدرجة التي دفع بها إلى مغامرة بل «مقامرة» الذهاب إلى «حرب مفتوحة» مع حليف طهران الاستراتيجي والأهم أي حزب الله اللبناني في محاولة منها لوقف تداعيات ذلك التحدي قبل فوات الأوان.
وبالمناسبة فإن كل الذين كانوا يأخذون على حزب الله قراره «الخاطئ» في أسر جنديين إسرائيليين في هذه اللحظة التاريخية وتقديمه «الذريعة» المناسبة للعدوان على لبنان، إما أنهم كانوا على علم بأمر ما خطير كان يُحضّر لهذا البلد وأخفوه عن أهله لغاية في نفس يعقوب!
أو أنهم فوجئوا بمثل هذا القرار الخطير والجلل من جانب حليفهم الاستراتيجي من وراء البحار، وأرادوا من خلال تلك «التهمة» الموجهة لحزب الله أن يخفوا حقيقة الخطة الأميركية إلى أن جاء سيمور هيرش ليفضح كل شيء ويضع النقاط على الحروف.
المهم أنه وبعد فشل عملية «المخاض» في لبنان من أن تنتج «شرق أوسط جديد» بـ «تخصيب» أميركي، فإن المهمة قد تحولت برأي البعض أكثر شرقاً باتجاه طهران لمنع نجاح «التخصيب» الإيراني من أن ينتج أو يساهم في ولادة «شرق أوسط جديداً» على غير «الهيئة» الأميركية المرجوة والمبتغاة.
وكما هي الحال مع معركة لبنان الأساسية التي كانت ولا تزال تتمحور حول «نزع سلاح» حزب الله فإن معركة إيران الأساسية المطروحة على طاولة المباحثات الدولية هي كيفية «نزع سلاح» إيران، أي حرمانها من التخصيب.
يكذبون تماماً وهم يعرفون أكثر من غيرهم أولئك القلة ممن يتحكمون بما بات يسمى «المجتمع الدولي» عندما يتهمون إيران بامتلاكها خطة أو مشروعاً للتسلح النووي، لكنهم يصدقون ويصدقون تماماً عندما يعتقدون بأن امتلاك إيران ناصية العلوم الحديثة والمتطورة من خلال علم «التخصيب» والدورة النووية الكاملة هو أمر أخطر بكثير من السلاح النووي.
وكولن باول ـ وزير خارجية أميركا السابق ـ الذي تلاعبت فيه وعليه المخابرات الأميركية بشأن العراق كان صادقاً عندما قال: «إن إيران ليست البرازيل ولا جنوب إفريقيا حتى نسمح لها بالتخصيب حتى وإن للأغراض السلمية.
نعم، فإيران كما تقرأها واشنطن جيداً ليست في الفلك الأميركي ولديها رؤية مغايرة تماماً لرؤية أميركا حول الشرق الأوسط الجديد وعن الحل المؤمل للمسألة الفلسطينية وعن لبنان والعراق الجديد، لذلك فإن جل ما يطلبه السعاة من أجل «حل ما» أو «تسوية ما» لقضية الملف النووي الإيراني بما فيها جوهر رزمة ما بات يعرف «بالمحفزات» الغربية سواء تلك التي وصلت آخر أيام عهد خاتمي أو الرزمة الحديثة موضع النقاش الآن هو أن تقدم إيران على خطوة «وقف التخصيب» في إشارة «حسن نية» من جانبها على طريق «تجسير الثقة» مع «المجتمع الدولي» على أمل أن تنخرط من خلال المفاوضات في مشروع مكافحة الإرهاب العالمي والاعتراف بواقع دولة إسرائيل!
ولأن إيران تعرف ذلك بدقة، ولأن الحكمة الإيرانية القديمة تقول: «بأنه لا يجود للعاقل أن يحدد سعر بضاعته وسط النزاع والتهديد والوعيد» ـ مع بعض التصرف ـ فإن المفاوض الإيراني يرد على أي اقتراح يأتي إليه في ظل ظروف المجتمع الدولي الحالية كما يلي:
أولاً: لا أحد عاقل يفاوض على استقلالية قراره ولا أمنه القومي، إنما يفاوض تحت سقفهما.
ثانياً: لا أحد عاقل يقبل بشروط مسبقة للدخول إلى المفاوضات والجلوس حول طاولة الحوار.
ثالثاً: لا أحد يتخلى عن سلاحه (وهنا المقصود هو التخصيب)، وهو يدخل ميدان منازلة مع خصم ثبت أنه يماطل ويُسوِّف وقد يضمر بعض أطرافه الشر له ومحفزاته المعلنة أشبه بمعادلة المجهول!
هذه هي خلاصة قصة المفاوض الإيراني مع خصمه الأميركي الذي يستخدم كل الطرق غير المشروعة لمصادرة مؤسسات المجتمع الدولي وآخرها مجلس الأمن الدولي، في محاولة لصنع سيناريو السيطرة على القرار الإيراني كمقدمة ل«تفكيك» قوة إيران وقدراتها العلمية.
لذلك كله فإن المفاوض الإيراني يقول بضرورة التخلي نهائياً عن فكرة فرض الشروط المسبقة والجلوس إلى طاولة المفاوضات بشكل مباشر وصريح ومفتوح على كل الخيارات بطريقة الند للند!
وإذا كان ثمة من «إجماع دولي» كما يقولون حول إيران وعلى إيران الاستجابة له فإنها تقول: بأنها جزء لا يتجزأ من هذا الإجماع عندما يتعلق الأمر بالتسلح النووي فهي قاطعة وحازمة أمرها في عدم وجود أي رغبة أو إرادة لها بالتسلح، وفيما عدا ذلك فإنها تعرف تماماً كما يعرف خصمها أنه ليس هناك أي إجماع حول سبل الوصول إلى حل مرض للجميع بخصوص ملفها النووي شرط أن تذعن واشنطن بأن فرض الحلول بالقوة أسلوب عقيم ثبت عقمه في ملفات عديدة آخرها لبنان.
وبالتالي فإن لسان حال طهران اليوم وهي تواجه واشنطن يقول: «تخصيبكم» عقيم فيما «تخصيبي» سيصيب! وإن كنتم في شك من أمركم فانظروا إلى لبنان وترقبوا القادم من طهران!
كاتب إيراني