المبالغة في التكريم الرسمي التي ميزت جنازة الروائي الكبير نجيب محفوظ، حجبت عن البسطاء الذين أحبهم وكتب عنهم، فرصة المشاركة في وداعه على المستوى الشعبي، بما يليق بمكانته في نفوس الحرافيش الحقيقيين الذين خلدهم صاحب نوبل في أعماله العديدة على طول عمره المديد.
مؤكد ان أبناء الجمالية وسكان حي الأزهر العتيق بحاراته وعطوفة، هفت نفوسهم إلى المشي في جنازة الراحل العظيم، لكن أبناء الحمزاوي وأحفاد السيد احمد عبد الجواد، ورواد الفيشاوي، وجدوا أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه،وقد مر جثمان محفوظ من تحت أنوفهم دون ان يلقوا عليه نظرة الوداع الأخيرة.
نعم حظيت الجنازة العسكرية بما يليق بمكانة محفوظ وما يستحقه من تكريم على الجانب الرسمي، لكن الرجل لو كان في وسعه ان يرتب لرحيله، لأحب ان يشارك في وداعه أصحاب الجلابيب الزرقاء والعمائم جنبا إلى جنب الأفندية وأصحاب الحرف والحوانيت التي غرف من معينها.
وكانت زادا لغالبية أعماله الروائية والقصصية التي تربت عليها الأجيال وتخرج من تحت عباءتها عشرات الأدباء والروائيين وشكلت وجدان الملايين من أبناء شعبه وأمته.
كنا نود ان تتاح الفرصة لعشرات الآلاف ان لم يكن مئات الألوف من إظهار حبهم وتقديرهم لأحد الرواد العظام الذين وضعوا الأدب العربي على خريطة الإبداع الإنساني في أفضل تجلياته، وان يكون من حق هؤلاء إظهار الانتساب إلى ذات الأرض الطيبة التي أخرجت هذا العقل المستنير.
رغبة محفوظ في ان يصلى عليه داخل مسجد الإمام الحسين رضي الله عنه، يمثل دلالة قاطعة على حبه الجم لواحد من اعرق الأحياء الشعبية التي تعبق برائحة العصور المتوالية على مصر المحروسة، ودليل ناصع على انتمائه إلى البسطاء من سكانها المكافحين من اجل الغد الأفضل، الم يكن إذن من حقه ان يلتف حول جثمانه هؤلاء؟!
كما مثلت مشاركة كبار رجال الأزهر في الصلاة على جثمانه، دلالة رمزية أخرى برفع الجفاء -الذي تساءل عنه احد المراسلين الصحافيين- بين المؤسسة الدينية النافذة ومبدع (أولاد حارتنا) التي وقف الأزهر حجر عثرة أمام نشرها لسنوات طوال.
ذهب نجيب محفوظ إلى بارئه، غير ان ما تركه من نتاج أدبي زاخر بالفكر والثقافة، يجعلنا نقلب ما بين أيدينا من تلك الأطروحات التي جسدت مسيرة الإنسان في بقعة جغرافية ومحطات زمانية من هذا العالم الذي يموج بالحركة ويعج بالضجيج،في قالب فني قل نظيره.
وابرز عبقرية نجيب محفوظ وسط الشوامخ من عالم الفكر والأدب،ليس على المستوى العربي فحسب، بل وعلى امتداد البسيطة، بما حفلت به رواياته من انتصار للقيم الإنسانية، والانحياز للسواد الأعظم من البشر على اختلاف مشاربهم وأوطانهم.
كما ان تأمل مسيرة حياة محفوظ التي امتدت لخمس وتسعين عاما،تقدم النموذج الجدير بالانحناء احتراما لواحد ممن قدروا قيمة موهبتهم،والمسؤولية التي تمليها هذه الموهبة فلا تضيع هباء، أو تبدد في الأزقة والحواري الجانبية،بل مثلت رحلته نهرا متدفقاً من العطاء الأصيل الذي انكب صاحبه على العمل الجاد والمنظم، الذي يدحض مقولات المبدعين عن الإلهام الذي يهبط من وادي عبقر على أنصاف الموهوبين الذين يحتاجون إلى ظروف خاصة لإخراج مخزون إبداعاتهم!.
عاش محفوظ والى وقت قريب قبل ان يتغلب عليه المرض حاضر الذهن والقريحة، مواظبا على عادات تدور جميعها في فلك التعمق فيما يدور من حوله من أحداث قبل ان ترى النور في شكل شخصيات وإحداث تتحرك على الورق أو فوق الشاشة الفضية، في تفاعل مدهش يختلط فيه الواقع مع الخيال لا يفصله إلا خيط رفيع تكمن فيه عبقرية الروائي الفذ.
بلا شك خسرت الرواية أولا و الأدب العربي ثانيا ، عملاقا تضافرت عوامل كثيرة في خروجه إلى رحاب الإبداع في اجل صوره، على النحو الذي أهل محفوظ لنيل جائزة نوبل للآداب عام 1988 عن جدارة ليضع الثقافة العربية إلى جوار باقي الثقافات التي ساهمت في صنع الفكر الإنساني على امتداد عمر البشرية.