على ماذا تراهن الحكومة السودانية في تحديها المتشدِّد للولايات المتحدة بشأن مشروع التدخل العسكري الدولي في دارفور الذي ابتدرته واشنطن بالتواطؤ مع حكومة بريطانيا؟

لحين من الدهر، كانت القناعة في الشارع السوداني هي أن البيانات والتصريحات المتلاحقة الصادرة عن مستويات السلطة المختلفة من وزير الخارجية إلى رئيس الجمهورية عبوراً بمستشاريه والتي تعكس رفضاً متصلباً لمبدأ إرسال قوات دولية إلى إقليم دارفور ليست سوى «تهويش» يوظف لأغراض الاستهلاك الداخلي وخلق انطباع إعلامي زائف.

لكن التهويش لم يعد تهويشاً عندما تحوّلت البيانات والتصريحات إلى موقف دبلوماسي رسمي للحكومة في دوائر الأمم المتحدة بما في ذلك مجلس الأمن الدولي.. السلطة العليا للمنظمة الدولية.

والآن، وبعد أن أجاز مجلس الأمن الدولي مشروع القرار الأميركي ـ البريطاني لإرسال قوة عسكرية دولية إلى دارفور، هل يمكن القول بأثر رجعي إن موقف التصلّب الذي اتخذته الحكومة السودانية كان مبنياً على تقديرات خاطئة منذ الوهلة الأولى؟

من الصعب جداً القطع بإجابة محددة عن هذا السؤال. فبالرغم من أن قرار مجلس الأمن أصبح موقفاً رسمياً للأمم المتحدة تجاه السودان، إلا أن الصيغة اللفظية للقرار تتضمّن فقرة تنص على ضرورة موافقة الحكومة السودانية على نشر القوة الدولية في أراضي دارفور.

لكن مع هذا الاستدراك الذي أدخل على مشروع القرار في لحظة أخيرة قبل طرحه على التصويت في مجلس الأمن، إلا أن القرار لا يخلو من غموض، ذلك أنه ليس واضحاً تماماً ما إذا كان النص على «موافقة» الحكومة السودانية من قبيل المناشدة والرجاء أم من قبيل الأمر.

بكلمات أخرى نتساءل: هل النص على «الموافقة» نص شكلي.. وُضع فقط من أجل تطعيم الحبة الدوائية المُرّة بكسوة من السكر.. أي من قبيل حفظ ماء الوجه للحكومة السودانية؟ وهل يعني ذلك أن إرسال قوات دولية إلى دارفور أصبح أمراً حتمياً بإرادة دولية من ورائها القوة الدولية العظمى وحليفتها بريطانيا سواء وافقت الخرطوم أو لم توافق؟

إذا صحّ هذا التفسير فإنه سيكون مصداقاً لتعليق أدلى به مندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة جون بولتون قبل إجراء التصويت في مجلس الأمن قال فيه إنه إذ يحبّذ موافقة حكومة السودان على استقبال القوة العسكرية الدولية، فإن عدم صدور مثل هذه الموافقة «ينبغي ألا يثنينا عن الاستمرار في مشروع القرار».

لكن هذا التعليق تزامن مع تعليق للرئيس الدوري لمجلس الأمن (سفير غانا) قال فيه إنه حتى لو أجيز مشروع القرار فإن هذا لن يعني إغلاق باب المفاوضات مع الحكومة السودانية.

وإجمالاً تبدو الصورة العامة وكأن الأمر لم يبلغ منتهاه. ذلك أن قراءة فقرة «موافقة الحكومة السودانية» مع تعليق رئيس المجلس توحي بأن الأمر لا يزال مفتوحاً للأخذ والرد.

وهنا يبرز سؤال: هل أدرجت هذه الفقرة تحت ضغط قوي من الصين؟ وهل الصين المزوَّدة بحق الفيتو هي التي تقود معركة دبلوماسية لمصلحة السودان؟ وهل هذا هو ما تراهن عليه الحكومة السودانية في تصلّبها؟