عقد ونصف من الزمن مر على انطلاق عملية السلام في مدريد، العملية التي شهدت مراحل ثلاث: أولها مرحلة إدارة التسوية في التسعينات والتي توقفت عام 2000 ثم مرحلة إدارة الجمود أو الحفاظ على العملية مع إفراغها من مضمونها السلامي وأخيراً مرحلة إدارة التسوية الأحادية الإسرائيلية التي أطلقها أرييل شارون ثم حملها وريثه السياسي إيهود أولمرت إلى أن سقطت مع الحرب على لبنان.
بعد كل ذلك الوقت الضائع وفي خضم الحرب على لبنان تبلورت أخيراً الدعوة العربية لطرح موضوع الصراع العربي الإسرائيلي برمته على مجلس الأمن، ليتحمل الأخير مسؤولياته وهو المسؤول الأول عن الأمن والسلم الدوليين، بغية صنع السلام الشامل والدائم والعادل.
وبرزت أصوات غربية ومنها أصوات أميركية وبعض الأصوات القليلة في إسرائيل تدعو إلى العودة إلى التسوية الشاملة من خلال إعادة إحياء المفاوضات بعد موت «مدريد» منذ مطلع هذه الألفية، وبدأ الحديث عن «نيويورك»:
نيويورك المؤتمر الدولي في إطار مجلس الأمن وضمن مسؤولياته وضمن زمن محدد وأجندة واضحة، مؤتمر لا يكون فقط منصة انطلاق مثل مدريد «لصاروخ» السلام الذي أُخرج عن مداره وأُدخل مرحلة انعدام الوزن بل مؤتمر منصة الانطلاق والمواكبة والأهم الضمان إلى محطة الوصول.
أسباب خمسة تدفع باتجاه «مؤتمر نيويورك»: أولاً استمرار الاحتقان والتوتر والحروب ذات الوتيرة المنخفضة حيناً والمرتفعة أحياناً واستمرار انسداد الأفق السياسي والدوران في حلقة مفرغة.
ثانياً الدعوات الرسمية ومنها الصادرة عن قمة الدول الصناعية للعودة لجذور المشكلة في أزمة الشرق الأوسط ولو أن هنالك قراءات مختلفة حول جذور المشكلة وسبل معالجتها. ثالثاً فشل العمل بمقترح «القطعة» وسياسة المراحل المفتوحة والمطاطية التي تصل دائماً إلى انسدادات وتوقف وانهيار والعودة إلى نقطة الصفر.
رابعاً الفشل الذريع لسياسة الأحادية الإسرائيلية التي واكبها «الرباعي» ودعمتها واشنطن بشكل خاص وكبير وفرضتها على أجندة جميع المعنيين.
وخامساً الجمود السياسي يدفع نحو الراديكالية والعودة إلى تعريف الصراع بالمفاهيم التي كانت سائدة قبل مدريد وخاصة في بدايات الصراع وهو ما لا يساعد على إمكانية التوصل إلى تسوية لا بل يعرقل هذه الإمكانية.
ويجعل الصراع جاذباً للتوظيف في الاستراتيجيات الإقليمية المختلفة في المنطقة وقادراً على التأثر والتأثير السلبي في النقاط المشتعلة والساخنة في الشرق الأوسط حاملاً لمخاطر انفجارات كبيرة تتخطى فضاء الصراع العربي الإسرائيلي لتطال الشرق الأوسط الكبير والمتوسع شرقاً في الفضاء الإسلامي الآسيوي مع تداعيات ذلك كله على الأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.
لكن هنالك أيضاً خمسة أسباب تمثل عوائق رئيسية وأساسية أمام انطلاق هذه المقاربة الشاملة والجديدة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي.
أولاً: انتخابات منتصف الولاية للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني في وقت تتزايد فيه التحديات أمام الإدارة الأميركية:
تحديات الخسارة أمام الحزب الديمقراطي بسبب العراق والسياسة الاجتماعية وسياسات الضمان الصحي بشكل خاص كما تزداد الانتقادات من أهل البيت في الحزب الجمهوري للإدارة الأميركية التي تجد نفسها في حال ارتباك كبير.
ومن الصعب جداً أن يفتح ملف السلام، هذا إذا افترضنا أن الإدارة الأميركية تريد ذلك، والاصطدام مع اللوبي القوي المؤيد لإسرائيل والذي هو أحد أركان الإدارة مع المحافظين الجدد ومن أهم قواعدها الانتخابية مع القوة الانتخابية للأصولية الإنجيلية في الجنوب.
ثانياً: رؤية الإدارة الأميركية للصراع العربي الإسرائيلي التي تعتبر أن هذا الأخير ليس قائماً بحد ذاته وليس قضية تحرير وطني أساساً بل هو نتاج غياب الديمقراطية وانتشار «فكر الإرهاب» والمطلوب أن تنقلب الإدارة فكرياً ومفهومياً على ذاتها في هذا السياق.
ثالثاً: الرؤية الإسرائيلية، إذ ازداد المزاج السياسي في إسرائيل يمينية بعد الحرب على لبنان رغم الانتقادات التي وجهت لكيفية إدارة هذه الحرب ورغم وجود أصوات قليلة وخافتة تدعو إلى العودة للمفاوضات. لكن المزاج العام الذي انقلب على السياسة الأحادية اتجه أكثر نحو سياسة فرض الأمر الواقع والجمود على الأرض وليس نحو التفاوض وما زال مستمراً في دعمه لإحدى أهم الثوابت السياسية الإسرائيلية وهي رفض دور الطرف الثالث ومعه رفض المقاربة الشاملة للتسوية.
رابعاً: التساؤل حول قدرة التحريك والدفع العربية المطلوبة في ظل الصراعات والحروب الباردة والحروب بالواسطة الدولية والإقليمية والعربية في المنطقة وفي ظل وجود أولويات أخرى ضاغطة قد تخفف من انطلاق القطار العربي المطلوب وقد تحيده عن مساره.
خامساً: التساؤل حول مدى الاستثمار العربي في المقاربة المطلوبة لإعطائها القدرة على الاستمرار ومواكبتها وتوظيف الإمكانات المتنوعة والتنسيقية الضرورية لدعمها فهنالك خوف مشروع دائماً من سياسة النفس القصير وهي إحدى أهم سمات السياسات العربية كما يدل على ذلك «نموذج» إدارة مبادرة السلام العربية التي دخلت عامها الخامس وهي مازالت في «الثلاجة» والتي تمثل نموذجاً صارخاً لحالة الانفصال بين القرار من جهة والرغبة في توظيف الإمكانات لتحويله إلى سياسة فاعلة من جهة أخرى.
عنصر الوقت، كما كانت الحال دائماً في تاريخ دبلوماسية التسوية والصراع في الشرق الأوسط وكما هي الحال دائما في الأزمات الكبرى، عنصر ضاغط فهل ستسقط هذه الحواجز، الحاجة المتعددة الأوجه لإطلاق «مؤتمر نيويورك» أم ستنتصر هذه الحاجة الملحة على تلك الحواجز فينجح «التفكير في ما لا يمكن التفكير به» عند هذا المفترق المصيري في الشرق الأوسط، هذا هو السؤال المطروح.
كاتب لبناني