لعل من قرأ مقال الأسبوع الماضي لم يفاجئه ما جاء في الحوار الأخير لحسن نصرالله الأمين العام لحزب الله من ان قيادة الحزب لم تتوقع ولو بنسبة واحد في المائة أن عملية الأسر ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل.. «ولو علمت أن عمليه الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً».

إنه منطق رجل الدولة الذي تحدثت عنه في الأسبوع الماضي، والذي يختلف عن منطق المغامرين الذين ذهبوا بحركات وطنية إلى الكارثة، وهو أيضا يختلف عن منطق بعض «المتنطعين» الذين يحاولون أخذ ما قاله حسن نصرالله على انه دليل على خطأ طريق المقاومة وعلى صواب النهج الذي يدورون من حو له والذي لا يعني في النهاية إلا الاستسلام لمخططات العدو الإسرائيلي والرضوخ للمشاريع الأميركية للمنطقة.

ما قاله نصرالله هو استمرار للعقلانية السياسية التى أدار بها المعركة بعد أن فاجأه رد الفعل الإسرائيلي العنيف على عملية أسر الجنديين الإسرائيليين، هذه العقلانية السياسية التي حافظت على وحدة الموقف اللبناني، ومن خلال هذه الوحدة حققت انتصارها على العدوان الإسرائيلي ـ الأميركي رغم فداحة الثمن الذي تم دفعه.

العقلانية السياسية تواصلت بعد وقف العمليات الحربية، فلم تتم الاستجابة للاستفزازات الإسرائيلية التي كانت تريد تصعيد الموقف وصولا إلى ما أعلن عنه الرئيس الأميركي في «زلة لسان» جديدة حين كشف عن رغبة أميركا في استصدار قرار جديد من مجلس الأمن لفرض نزع سلاح حزب الله، وهو ما تراجعت عنه واشنطن بعد ذلك.

كذلك بدت هذه العقلانية في تسهيل انتشار قوات الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل وإعطاء الإشارات الإيجابية (من خلال بدء عمليات التعمير في الجنوب) على أن الرهان الأساسي لحزب الله هو انه لا جولة أخرى في هذه الحرب المدمرة إلا إذا فرضت على لبنان. وفي هذا الإطار ينبغي التعامل مع التصريحات الأخيرة لنصرالله.

والتي يريد بعض «المتنطعين» استغلالها في معارك حزبية صغيرة داخل لبنان، بدلاً من فهمها كرسالة تطمئن الجميع على أنهم ليسوا أمام حزب فاش لا يراجع مواقفه، بل أمام فصيل يرفع راية المقاومة ولكن برؤية سياسية لا تسمح بالمغامرة ولا تستهين بتضحيات الناس..وهنا يجب التأكيد على بعض النقاط المهمة:

إن حديث نصرالله على أنه ما كان ليأمر بالقيام بعملية أسر الجنديين الإسرائيليين لو كان على بينة بأنها ستقود إلى حرب بهذا الحجم، جاء في إطار التأكيد على انتصار المقاومة ولبنان والعرب وهزيمة العدوان الإسرائيلي ـ الأميركي، والاعتزاز الكبير بهذا النصر الذي يرى أن نتائجه الكبيرة لم تظهر حتى الآن في صورتها الكاملة، رغم الأزمة التي تعانيها إسرائيل، وإدراك أميركا أن مشكلتها في المنطقة تتعمق.

أعاد نصرالله في نفس الحوار تأكيده على أن من يقول إن سبب هذه الحرب هو الأسيران مخطئ، فكل المعطيات التي تم التوصل إليها تؤكد أن قرار الحرب كان متخذاً، وأن إسرائيل كانت ستقوم بها بذريعة أو بدون ذريعة في أواخر سبتمبر أو أوائل أكتوبر وبالتالي فإسرائيل هي التي فوجئت بالعملية فقامت بالحرب دون استكمال للاستعدادات.

وهو هنا فيما يبدو يرد على وليد جنبلاط وآخرين كانوا قد سألوا: إذا كان نصرالله قد عرف أن هناك عدوانا إسرائيليا يتم الإعداد له، فلماذا لم يتشاور مع باقي القوى السياسية في لبنان لإيقاف العدوان بدلا من إعطاء الإسرائيليين ذريعة بعملية أسر الجنديين؟ نصرالله يرد بأن هذا المخطط الإسرائيلي الأميركي لم يكن معروفاً لديه قبل عملية الأسر، ولو عرف لما أعطى موافقته على العملية.

تصريحات نصرالله ترد أيضا على ما قيل من أن الحرب قامت بقرار من طهران لتخفيف الضغط عليها في صراعها حول الملف النووي، فنصرالله الذي لم ينف علاقات حزب الله بطهران ودمشق وامتنانه للمساعدات التى تلقاها من الدولتين طوال سنوات النضال من أجل تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، يعطي الإشارة هناك إلى أن قراره بعملية أسر الجنديين الإسرائيليين كان قراراً لبنانياً صرفاً من ناحية.

وكان قراراً لا يتوقع أن يكون الرد الإسرائيلي بهذا الحجم من ناحية أخرى، وكان قراراً متصلاً بتحرير الأسرى اللبنانيين وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا ولا يريد للبنان أن يكون جزءاً من صراع اكبر على خلفية الصراع الأميركي ـ الإيراني.

وربما جاء من هنا تأكيد نصرالله على اعتقاده بأنه لا جولة أخرى في الحرب على ارض لبنان، في رد على من يرون أن الجبهة اللبنانية ستشتعل إذا وقع الصدام الإيراني ـ الأميركي، وربما تكون هذه هي الإشارة الأهم في حديث نصرالله.

ورغم التأكيد على حق المقاومة في مقاومة الاحتلال، فإن نصرالله لا يترك طريقاً لإعلان التهدئة إلا وسلكه، وهو يكشف عن الاتصالات لتبادل الأسرى وعن دور إيطالي في هذا الشأن وكذلك للأمم المتحدة. ومع تأكيده على تسهيل مهمة الجيش وقوات اليونيفيل يؤكد على أنه لن تكون هناك مظاهر مسلحة لحزب الله في الجنوب.

ويعلن موافقته على استئناف الحوار مع باقي الأطراف اللبنانية وإن لم يشارك فيه لأسباب أمنية، وهي نفس الأسباب التي منعت لقاءه بكوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة الذي التقى بأحد ممثلي حزب الله في الحكومة في تأكيد على أن حزب الله طرف أساسي في القضية والتعامل معه كحركة مقاومة مشروعة ورفض المنطق الإسرائيلي الأميركي الذي يطالب باعتباره حركة إرهابية.

وهنا يبدو حزب الله قريباً من تحركات عديدة (عربية وإقليمية ودولية) تجري في المنطقة ومازالت غائبة عن أطراف كثيرة داخل لبنان وخارجه وهنا ينبغي أن نشير إلى انه رغم أن الخطاب الشهير للرئيس السوري بشار الأسد قد آثار العديد من الإشكاليات مع أطراف لبنانية وعربية، فلابد من الوقوف عند تأكيد الأسد على أن خطابه هو خطاب سلام، وأنه مازال يسعى لإنهاء احتلال الجولان سلميا ، وان الطرف الإسرائيلي هو الذي يعرقل كل جهود التسوية السلمية.

وعلى الجانب الآخر كانت تصريحات مسؤولين وزراء إسرائيليين عن إمكانية الحل مع سوريا وكان تشكيل اللجنة الوزارية الإسرائيلية للتحضير لمباحثات قد تجري بهذا الشأن.

التطور الهام الآخر جاء من إيران، ففي الوقت الذي تصل فيه الأزمة حول الملف النووي نقطة فارقة تتغير لهجة الرئيس الإيراني بشأن إسرائيل تغييراً أساسيا حين يؤكد أن «إيران لا تهدد الدول الأجنبية ولا حتى النظام الصهيوني» ثم يدعو إلى استفتاء في فلسطين يحدد مصير هذا الكيان «بعيدا عن الحرب والعنف»!

والقضية الأساسية التي ينبغي الوقوف عندها أن المنطقة كلها مقبلة على مرحلة هامة وحاسمة، وإذا كانت حرب لبنان قد عطلت المخططات الأميركية ـ الإسرائيلية للمنطقة فإن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فالمعركة مستمرة، والسؤال هو: أين نحن العرب من هذه الحرب التي بدأت في لبنان ولم تنته؟

إن كل الأطراف تبحث عن مصالحها وتعزز أدوارها.. أميركا وأوروبا، وإسرائيل وتركيا وإيران.

فأين نحن من كل ذلك؟ هل سندخل المعركة ـ كما يراد لنا ـ ونحن مشغولون بمعاركنا الداخلية؟وهل سيكون هم النظم العربية أن تدافع عن وجودها ولو بالانكفاء علي نفسها.. أم ندرك أن القيمة الأساسية لحرب لبنان أنها أعادت لنا الثقة في قدرتنا على الانتصار،حتى في ظل الخلل في موازين القوى، وحتى ونحن لم نستخدم كل ما نملكه من قدرات سياسية واقتصادية؟

نعم.. انتصر منطق المقاومة على منطق الاستسلام، وأثبتت الشعوب أنها قادرة علي التأثير، أدركت الأنظمة أن الهوة بينها وبين الشعوب هي الخطر الحقيقي، وتجسد كل ذلك في انتصار على الأرض، وفي قدرة على مقاومة التسلط الأميركي في مجلس الأمن، وفي إرغام إسرائيل على أن تظهر عارية أمام الرأي العام العالمي كقوة بطش نازية.

وفي أن تظهر أيضا أمام شعبها ككيان مهدد فقد قدرته على الردع العسكري، وأصبح عليه أن يواجه حقيقة أن وجوده نفسه أصبح موضع تساؤل إذا استمر في سياسته النازية.

المرحلة خطيرة. وإذا كانت نجاة لبنان في وحدته الوطنية، فإن نجاة العرب في أن ينطلقوا من النقطة التي وصلوا إليها مع توقف إطلاق النار في لبنان. النقطة التي اثبتوا فيها العجز الإسرائيلي واكتشفوا فيها أن الاستسلام للمنطق الأميركي لن يحمي أحدا.

وأن المقاومة الحقيقية للمخططات المشبوهة التي تريد إلغاء عروبة العرب وتفتيت الكيانات العربية هي فرض واجب، وان القليل من استخدام الإمكانيات العربية قد أنجز شيئاً، فكيف يكون الحال لو أحسنا استخدام إمكانياتنا وفق رؤية واحدة لا تستهدف إلا المصلحة العربية؟!

نقيب الصحافيين المصريين