تصعيد خطير ووحشي قامت به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة خلال الساعات الماضية ، معتمدة في ذلك على تركيز الاهتمام الدولي والعربي على الشؤون اللبنانية وتداعيات ما بعد الحرب.
بالطبع ، التصعيد الإسرائيلي والعدوان المباشر على الفلسطينيين في غزة ليس جديدا ، وهو ممارسة منهجية لا ترتبط بتداعيات سياسية في جبهات أخرى ولكن من الواضح أن حكومة أولمرت تحاول التنفيس عن غضبها وغيظها من فشلها في لبنان عن طريق زيادة التدمير لقطاع غزة وارتكاب المزيد من الجرائم.
المشكلة أن هذه الجريمة تمر ليس بدون عقاب فقط كما تعودنا ولكن بدون اهتمام أيضا ، فالشعب الفلسطيني يعاني ما بين مطرقة العدوان الإسرائيلي وسندان الحصار الاقتصادي.
وما زال أساس المشكلة في الشرق الأوسط وهي المعاناة الفلسطينية من الاحتلال والعدوان الإسرائيلي مسألة غير محلولة نظرا لعدم اهتمام القوى الدولية بايجاد حل سريع وعادل ، وكذلك ضعف تأثير النظام العربي الرسمي على الأحداث.
كما ذكر جلالة الملك في عدة تصريحات لوسائل الإعلام الدولية وفي عدة مقابلات مع رموز سياسية عالمية ، فإن جذر المشكلة في المنطقة هو القضية الفلسطينية وأي تحرك سياسي أو عسكري أو اقتصادي بعيدا عن المحور الفلسطيني لن يحقق نجاحا في المساهمة في إحلال سلام مستدام ، بل سيكون عملية تسكين مؤقتة نحو انتظار المشكلة الجديدة وتزايد التطرف والعنف وخفوت صوت الاعتدال.
الجزء الأول من المشكلة الفلسطينية هو الاحتلال الإسرائيلي والعدوان والحصار والدعم الأميركي المنحاز لإسرائيل وضعف التأثير العربي ، ولكن هناك جزءا آخر يتمثل في عدم وضوح السياسة الخارجية الفلسطينية فيما يتعلق بالحل المنشود.
وفي الوقت الذي يستمر فيه الرئيس محمود عباس بالتمسك بالاتفاقيات الدولية على الرغم من علاتها فإن الحكومة الفلسطينية لا تقوم بتطوير خطاب سياسي واضح ، والأخطر من ذلك التدخلات التي تقوم بها رموز حماس السياسية خارج فلسطين والتي تساهم في زيادة التوتر والتمزق في البنية السياسية الفلسطينية.
التصريحات التي أدلى بها رموز حماس في الخارج مؤخرا وأهمها المطالبة بحل السلطة الفلسطينية والحديث عن استنتساخ تجربة حزب الله في فلسطين تعتبر تطورا خطيرا نحو تقديم هدايا سياسية مباشرة لإسرائيل للمواصلة في عدوانها وترويج نظرية عدم وجود شريك ، والتدمير التدريجي للكثير من المكتسبات السياسية التي حققها الشعب الفلسطيني في السنوات الماضية.
ان التوجه نحو حل السلطة والذي تطالب به حركة حماس في الخارج بعكس كل تصريحات الحكومة الفلسطينية التي تظهر واقعية عالية ، تشير إلى تغير خطير في نوعية التفكير في حركة حماس نحو المزيد من التطرف والحلول غير المنطقية والتي لن تزيد الشعب الفسلطيني إلا معاناة وتساهم في إدخال المنطقة في دوامة جديدة وخطيرة من الحروب وتعطي إسرائيل ذرائع جديدة لمواصلة عدوانها وحلولها المنفردة التي تريد فرضها على الفلسطينيين.
حل السلطة الفلسطينية هو فقط في مصلحة إسرائيل وضد مصلحة الشعب الفلسطيني ، واستنساخ تجربة حزب الله في فلسطين ليس ممكنا بسبب الكثير من العوامل المختلفة ولكن كل هذه التطورات منطقية في ظل عدم وجود حل سياسي يحقق للشعب الفلسطيني مبتغاه في دولة آمنة ومستقرة وحرة.
ان أصوات التطرف والدعوات إلى المواجهات العسكرية ستبقى مسيطرة على الساحة السياسية الفلسطينية ما دام الشعب الفلسطيني لا يجد عائدا سياسيا حقيقيا من السلام وطالما استمر الحصار الاقتصادي الذي يشل الحياة في فلسطين ، فإن صوت التطرف سيبقى أعلى من صوت المنطق ، وهذا الخيار صنعته إسرائيل بعنجيتها وسياساتها الخرقاء وصنعته الولايات المتحدة بنظرية غطرسة القوة التي تحاول فرضها على فلسطين.