في أدبياتنا السياسية العربية نقول: إن الحدود بين الدول العربية، مصطنعة ، وقد رسمتها وحددتها الدول الاستعمارية في هذا الرأي شيء من المنطق حين كانت القبائل ترعى مواشيها متخطية الحدود، وحتى أفرادها لا يعرفون تميزهم بنقل هوية هذا البلد، أو غيره.

إلا أن الموضوع اختلف مع بروز السيادة الوطنية، وصار أمر الحدود واقعاً كشأن دول العالم الأخرى، وخاصة بعد التحرر من الاستعمار، وقد سقط عذر الحدود المصطنعة والوحدة العربية بأوامر وممارسات سياسية عربية قادتها حكومات أعلت شأن الوحدة فوق القوميات الأخرى، ثم كان حكم الحزب الذي تشكل من الطائفة أو المذهب.

وقد شهدنا في العراق كيف حكم السنّة تحت ظل الملكية، والجمهورية، وحرمت غيرها من الحقوق المتساوية للمواطنين، وجرى نفس الأمر على أقطار أخرى لا تزال تمارس نفس الأسلوب، ولم تقل الدول الخارجية، أو تأمر بأن يتحارب الجنوب والشمال السوداني، أو أن يغتصب صدام حسين الكويت بمباركة القوميين، والاشتراكيين، وحتى بعض الإسلاميين.

وليس هناك علاقة لدولة خارجية بأزمة الصحراء بين المغرب والجزائر، أو رفض وضع حدود بين لبنان وسورية، أو الصومال وأثيوبيا، والحبل طويل ينسحب على دول كثيرة تسبب في أزمات وحروب، ولا توجد دول تغلق حدودها الاستراتيجية لأدنى الخلافات إلا الدول العربية.

ولا تمارس أبشع الصور على الحدود، والمطارات، إلا بدول هذه الأمة المأزومة، حتى ان التدخل الخارجي لحسم مثل هذه الخلافات، جاء بتكليف من بعض الدول العربية ، أو ترسيم حدود، أو خلافات على جزر، نقلت مشاكلها إلى محكمة العدل الدولية لتنهي النزاع حولها ومنع المناوشات العسكرية.

نعم لوحدة عربية بمباركة وطنية، وفهم دقيق لإيجابياتها وسلبياتها، لكن قبل هذا كله، هل يجب المناداة بإصلاحات داخلية، ترفع مشكلة التمييز بين منطقة وأخرى، وقبيلة، وثانية، ومذهب، وقومية وطائفة، لنبدأ برسم معالم الوحدة الوطنية أولاً، قبل التفكير بوحدة قومية تقودها العواطف؟

هناك فساد سياسي، ومالي، وأحكام عرفية، وتعطيل للحريات والدساتير، وهناك أزمة معرفة، وثقافة، ووعي بروابط السلطة مع المواطن، وحتى الذين رموا الملكيات، والحكومات التقليدية بالفشل، وبالرغم من الإمكانات التي توفرت منذ أزمنة بعيدة، فإن الحكومات الانقلابية، هي التي تسببت في الأمراض العربية وقادتنا إلى الفشل في تسيير التنمية، وإقرار المساواة، وإنقاذنا من الحروب الفاشلة والهزائم المتكررة.

مرض الحدود ليس جغرافيا، وإنّما حدود عقلية ونفسية واقتصادية، والأولوية لإصلاحها قبل التفكير بالقفز على مطالب مستحيلة.