نستطيع أن نقول عنه إنه المعادل الأدبي لعبد الوهاب في مجال الموسيقى.. والمعادل الأدبي لنزار قباني في مجال الشعر الحديث. عبقرية نجيب محفوظ الذي رحل يوم الاربعاء في كتابة الرواية بدأت في الظهور منذ ثلاثينات القرن العشرين. وعندما نال جائزة نوبل عام 1988 كان قد انتقل بالفعل إلى مستوى روائي عالمي.
ففي مجال الرواية السياسية التي تتجلى فيها قدرته الإبداعية الفريدة أصبح محفوظ رصيفاً ندياً لجورج أورويل (رحل عام 1953) وغراهام غرين (رحل عام 1990). أما في مجال الرواية الاجتماعية التي تعكس جانباً آخر من قدرته الإبداعية وهو تحليل العلاقات الإنسانية فإنه لن يكون من قبيل المبالغة إذا اعتبر نجيب محفوظ تشارلس ديكنز العرب. هذا مما يغرينا بطرح تساؤل كبير: هل يعد محفوظ حالة فردية معزولة في مجال العبقرية الإبداعية؟
لا.
إنه ينتمي بصلة القربى الإبداعية إلى جيل من العباقرة الأفذاذ امتد عصره الزمني من العشرينات إلى الستينات. وبالإضافة إلى محمد عبدالوهاب كان هناك فريد الأطرش وأم كلثوم في مجال الموسيقى والغناء، وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي ومحمود سامي البارودي في مجال الشعر، وطه حسين ومحمود العقاد وتوفيق الحكيم في مجال الأدب والنقد الأدبي.
لكن التساؤل والإجابة عنه يفرزان تساؤلاً إضافياً: ما الذي جعل مصر والأمة العربية عموماً تنقطع عن إنجاب عباقرة من هذا الطراز الفذ؟ للإجابة عن هذا السؤال الإضافي، ربما نحتاج إلى بحث أكاديمي كامل لرسالة ماجستير أو دكتوراه. لكن هناك حقيقة ثابتة وواضحة وهي أن عصر العبقريات العربي كان أيضاً عصر الاستعمار الأوروبي ـ الفرنسي والبريطاني بصورة محددة.
يا لها من مفارقة. لكن لولا انتشار الثقافة الأوروبية في ذلك الحين بكل فروعها مع انتشار اللغتين الفرنسية والإنجليزية بين أجيال الشباب ونظام تعليم أوروبي من المستوى المدرسي إلى المستوى الجامعي لما كان هناك طه حسين أو توفيق الحكيم أو شوقي أو عبدالوهاب.
ومما يجدر بالملاحظة أن عصر الانحطاط العربي الراهن تزامن مع تلاشي الثقافة الأوروبية من ناحية ودخول الثقافة الأميركية العالمية المتهافتة بما في ذلك موسيقى «البوب» الغوغائية والأفلام التلفزيونية التي تنحصر محاورها في الجنس والعنف والجريمة والصراع من أجل الفلوس وقصص الرعب.
من هذا المنظور فإن الأمة العربية ليست موعودة إطلاقاً بملحمة روائية عربية ذات مستوى عالمي مثل ثلاثية محفوظ (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية). من خلال نقلات فنية انسيابية ورسم شخصيات تكاد تنطق من على الصفحات وبناء سردي مثير عبر تقنية الحوار تحكي الثلاثية تاريخ المجتمع المصري من قبل ثورة 1919 وحتى بعد قيام ثورة يوليو 1952. وبمثل هذه الفرادة ستبقى «الثلاثية» وأخواتها كرمز متميز لعبقرية عربية خالدة تظل على قيد الحياة الإبداعية رغم عصر الانحطاط العربي.