قامت الحضارة الغربية على التفوق الذهني وحده، وخلقت نهضة صناعية لم تحقق للإنسانية إلا القوة المادية والبذخ والترف، لكنها أهملت التربية العاطفية والأخلاق والفضائل الروحية. ولم تهتم بتهذيب الإنسان، التهذيب الإنساني والروحي.

عمليات التأثير الغربي عند العرب بشكل عام لم تحقق بعد، المراد من فلسفة الهجوم الغربي، ذلك لأن عمليات التغيير الحضاري التي تسعى إليها الحضارة الغربية في الحياة العربية، هي محاولة صبغ الحياة العربية بالصبغة الغربية، أي محاولة تداخل بين الحضارتين، بحيث تكون الغلبة للحضارة الغربية، وتسعى الدول الكبرى إلى التخطيط وتوجيه دراسات شاملة عن طريق النشأة والمعيشة والاختلاط.

إن محاولات القضاء على الحضارة العربية ومعالمها ومظاهرها شيء مرسوم له، ومخطط بعيد المدى للقضاء على الشعب العربي وتحطيمه ومحو ما بقي من تقاليد وقيم حضارية وأعراف ومقدسات. إن حضارة الإسلام والعرب تتعرض في الوقت الراهن لأخطر وأشرس هجمة غربية يمكن أن يتصورها العقل وهي تهديد بمسخ الشخصية العربية تمهيداً لقهرها والقضاء عليها، وبهذا تندثر تلك الشخصية التي قاومت تحديات كثيرة، وبقيت في الوقت الذي اندثرت حضارات قديمة.

الغزو القادم إلى العرب من وراء المحيطات يمثل خطراً واضحاً للأمة العربية، هو غزو ثقافي لغوي أنجلوسكسوني يتمثل في محاولة قهر اللغة العربية، وعادات وتقاليد وقيم الأمة العربية والثوابت التي قامت عليها. لتحل محلها تقاليد وتقاليع ومفاهيم الحضارة الغربية.

الأمة العربية تتعرض لمحاولة مخططة ومنظمة، لاقتلاع جذور الحضارة، لجعل هذه الشعوب بلا جذور، إنها قضية اليوم والمستقبل، هل يمكن للحضارة الإسلامية أن تواجه الحضارة الغربية، وتطورها مع الأساليب اليومية المعاصرة وتناسبها مع تطور الحياة الإنسانية؟

إن الأخلاق مبدأ هام وأساسي من مبادئ الدين الإسلامي ومواجهة التحديات تتطلب الكثير من العدل،اللجوء إلى التراث العربي، مع الآخذ بالأساليب الحضارية الغربية لاسيما امتلاك وسائل التقنية العلمية والتطورات التكنولوجية الهائلة والأخذ بالأساليب والأنماط الحضارية العلمية في مجالات الهندسة وعلوم الفضاء والأساليب المتقدمة في مختلف المجالات.

إن العالم العربي وهو يحاول أن يحقق كيانه،مهما يكن من تغيرات وتحالفات عالمية جديدة على الصعيد السياسي ينبغي المحافظة على الأخلاق الروحية الممتدة من تعاليم القرآن، فالقيم العربية والإسلامية والتجانس الثقافي الفريد قادر على مواجهة التحديات والتهديدات الجارفة وذلك بالوعي العربي الإسلامي الذي ورثه عن عصور الإسلام الزاهرة.

الذاتية العربية صاحبة الفضل وقائدة الحضارات، قادرة أن تتحول إلى حركة المواجهة مع أي حضارة أخرى إلى مراكز متطورة وفي مختلف الميادين الإنسانية والعلمية، والخروج من نطاق التخلف العلمي، والدخول في نهضة علمية شاملة في مختلف المجالات والإنسان العربي وهو يواجه هذا التطور الهائل، عليه أن يحدد معالم شخصيته، والإمساك بأساليب التقنية العلمية المتطورة والاستعانة بكل الوسائل التي تمكنه من أن يصبح قوة حضارية تواجه جميع التحديات، بدلا من الذوبان في حضارة تعمل بخطط علمية ومدروسة على احتواء الإنسان العربي في مجالات الحضارة الغربية.

نشهد كثيرا من الشباب والشابات الذين ارتموا في تقاليد الحضارة الغربية. يلهثون وراء التقاليع الغربية في الملبس والمأكل ولم يأخذوا من الغرب حضارته الصناعية.. بل المظهر الذي ليس هو فلسفة اجتماعية أو تطورا مدنيا أو رمزا لتقدم فكري لكنه تدهور أخلاقي وإحساس بعقد النقص في النفوس.