في أقل من سنة واحدة، تلقت دولة الإمارات من الولايات المتحدة الأميركية، نصيرة العدالة والحق والحرية والسلام والديمقراطية، مكافأة الصداقة قيمتها موقفان من العيار الثقيل، موقفان لا يحملان رائحة الصداقة ولا طعمها وليس فيهما ذرة من أخلاقيات تعامل الصديق مع صديقه.
الأول: كان إبطال حق قانوني يتسق مع قواعد العولمة وممارساتها وتقوم بموجبه مؤسسة إماراتية هي موانئ دبي العالمية بإدارة عدد من الموانئ الأميركية، وبعذر أقبح من ذنب، مفاده صراحة وبدون أي لف أو دوران أن هذه المؤسسة التي تنتمي لبلد عربي مسلم «تشكل تهديداً لأمن الولايات المتحدة الأميركية».
أما الموقف الثاني: فكان احتجاز طالب إماراتي في أحد المطارات الأميركية 29 ساعة هو وزوجته وأطفاله الثلاثة الذين لا يتجاوز عمر أكبرهم 4 سنوات، ثم منعه تعسفا من أن يطأ أرض الولايات المتحدة الأميركية ودون أدنى ذنب أو تهمة، رغم أن هذا الطالب يتلقى تعليمه في أميركا منذ عدة سنوات، ورغم أنه كان يحمل تأشيرة دخول حقيقية وصادرة من السفارة الأميركية في دولة الإمارات.
لم تشفع لدولة الإمارات عهود الصداقة مع الولايات المتحدة الأميركية من استحقاق هذه الصلافة الأميركية ذات النكهة الصهيونية، ولم تشفع للإمارات مواقفها الجليلة في الحرب على «الإرهاب»، ولم يشفع للصداقة عمل الشركات الأميركية في نفط الإمارات، بل ولم يشفع لها تحرير تجارتنا معها.
تحت أي بند يمكن أن نصف هذين الموقفين اللذين لا غرابة فيهما إطلاقا؟ هل هما اختباران لمدى احترام الصديق لصديقه؟ أم هما موقفان لتذكير الصديق بالمسافة التي تفصله عن صديقه؟ أم هما عقوبة له على مواقفه النبيلة تجاه المآسي والمصائب التي تلم بإخوانه في الدين والدم واللغة والأرض والتاريخ والمصير المشترك؟
أيا ما كان الأمر فإن هذين الموقفين المثيرين للغضب والاستياء لا يجب أن يمرا مرور الكرام، كما أنه لا يجب تفسير الموقف الأول على أنه مجرد احتياطات أمنية، لأن الاحتياطات الأمنية لا تنتهي بالنتائج التي آل إليها الأمر بالرفض القاطع الذي لا رجعة ولا جدال فيه، كما أن الموقف الثاني لا يصح تفسيره على أنه مجرد خطأ في إجراء أمني، لأن أي جهاز أمني مبتدئ يعي تماما أن أي إرهابي أو مجرم مهما بلغ به الغباء فإنه لا يصطحب معه في مغامراته الإرهابية أحداً من أفراد أسرته، فكيف إذا كانوا لا يزالون في عمر الزهور.
ومن هنا فإن الموقفين لا يمكن استيعابهما وإدراك خلفياتهما في معزل من تداعيات معطياتهما من المبادئ العقيدية والمحددات التي يستخدمها صانعو القرار الأميركي لتكوين الأفعال وردود الأفعال الأميركية، ومن بينها:
أولاً : العنصرية الصارخة التي تتعامل الولايات المتحدة الأميركية على وحي منها مع العرب والمسلمين، فالنظام الحاكم في أميركا اليوم ولعدة عقود قادمة لا يعلم مداها إلا الله، سواء أصعد على «عرش» الإمبراطورية - التي لم يعلن ميلادها رسميا بعد - جمهوريون أو ديمقراطيون أو يسار أو يمين أو محافظون جددا أو قدماء،
فهذه الأشكال السياسية لا تغير من كون العنصرية الصهيونية جزءا من ميراث الدولة الأميركية بكل أشكال أحزابها السياسية وأطيافها، ومنه نشأ مبدأ حماية وجود دولة إسرائيل وبكل الوسائل الممكنة التي لم نر منها إلا ما هو لا أخلاقي وما لا يقيم للعرب أدنى اعتبار، وترتيبا على هذا المبدأ فإن ظهور بوادر أي نوع من أنواع القوة للدول العربية بعدما عجزت عن الظهور كقوة عسكرية،
متفرقة كانت أم متحدة، وسواء أكانت اقتصادية (التي تولد منها رد الفعل الأميركي في الموقف الأول) أو تكنولوجية (التي تولد منها رد الفعل الأميركي في الموقف الثاني) هو أمر لا ينبغي حدوثه أبدا ولا تحمد عقباه لأنه تهديد لأمن إسرائيل (عدوتنا)، وعليه فإن صديقتنا أميركا (صديقة عدوتنا) ستهرع فورا إلى انتزاع قوتنا هذه من جذورها أو وأدها وهي لا تزال وليدة في مهدها.
ثانياً : عقدة الكراهية الأميركية للعالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص، تشاطرها أوروبا هذه العقدة عن بكرة أبيها، هذه العقدة التي لا تزال دماؤها تجري في عروقها لم يذب جليدها لا بفعل العلاقات الدبلوماسية ولا بالتحالفات العسكرية ولا بحركات التقريب بين الأديان والثقافات، ولا حتى بانسلاخنا من هويتنا والتنكر لها من أجل عيون الثقافة الغربية، مصداقاً لقول الله عز وجل: «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتَّبِع مِلّتهم.. » (الآية 120، سورة البقرة)،
ولهذا سيبقى العالم الإسلامي والعربي في نظر الغرب وأميركا على وجه الخصوص إلى أبد الآبدين عالما معاديا «للحضارة الغربية»، وأنه بذلك ـ في رأيهم ـ معقل الإرهاب والتهديد المنتظر في أي لحظة من لحظات غفلتهم، مما يستوجب إبقاءه حبيس قمقم التشرذم والتخلف والتبعية للغرب حتى لا يعيد التاريخ نفسه كما حدث ذات يوم في الأندلس والقسطنطينية.
ثالثاً : أن صداقة الولايات المتحدة الأميركية للدول العربية رغم التحالفات والمواثيق السياسية والتجارية، غير موجودة أصلا في قاموس السياسة الأميركية، ولن تكون في المستقبل إلا سرابا لامعا في صحراء الجفاء الأميركي لكل ما هو عربي، ولم تتعاطاها أميركا في يوم من الأيام إلا على أنها جسر تجتاز به الطرق الوعرة التي قد تعترض سعيها نحو تحقيق مخططاتها للبقاء كقطب القوة الأعظم والوحيد في العالم تحت قناع مسرحية الحرب على الإرهاب،
بما في ذلك التحكم في منابع النفط، وإحكام تسلط الدولار الأميركي على الاقتصاد العالمي بأسواقه النقدية وبورصاته، ونشر العولمة التي لا تسمح للعالم بالانخلاع من ربقة التبعية للاقتصاد الأميركي، وإبقاء جميع الأحلاف السياسية والعسكرية أينما وجدت تحت ظل الجناح الأميركي.
رابعاً : أن «العقلانية» أو «الاعتدال» أو «الواقعية» ستبقى آلات مهمة يعزف عليها فريق الطابور الخامس الذين تدفع أميركا لهم أتعابهم نظير إقناع أصحاب النوايا الطيبة بالسير في ركابها، رغم أن تلك المعزوفة لا تحرك إلا مشاعر المنتفعين بجيوبهم ومصالحهم الخاصة ولو كانت على حساب مصالح أوطانهم،
ومن هنا تعول أميركا كثيرا على كون هؤلاء خط دفاعها الاستراتيجي أمام ردود أفعال الشعوب والحكومات العربية تجاه أفعالها المشينة، لأنهم بعقلانيتهم الانهزامية، واعتدالهم المائل لدرجة الانسلاخ من العروبة والإسلام، وواقعيتهم الخيالية في مواجهة «البارانويا» الأميركية ومعها الإسرائيلية من كل ما هو عربي ومسلم لن تخدم في نهاية المطاف إلا المصالح الأميركية والإسرائيلية، ولن يجني العرب والمسلمون من ورائها إلا المزيد من الصفعات.
كاتب إماراتي