جولة الأمين العام للأمم المتحدة بالمنطقة أتاحت له التعرف عن كثب على حجم الدمار الهائل الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي على لبنان ، وعلى استخدام الإسرائيليين لقذائف عنقودية محظورة دوليا في الجنوب اللبناني خاصة ، وبعضها لم ينفجر حتى الآن بما يهدد حياة المدنيين خاصة كبار السن والأطفال ، وهو ما دفعه إلى إصدار بيان إدانة لإسرائيل لهذا الاستخدام غير المشروع لقذائف محرمة .
كما أتاحت له التعرف على المأساة الفلسطينية التي تتجدد كل يوم بقتل المزيد من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية ، واستمرار اعتقال نحو عشرة آلاف أسير فلسطيني تطبيقا للقانون الإسرائيلي ، وهو ما يشكل انتهاكا وتناقضا مع القانون الدولي الذي يحظر على سلطات أي احتلال تطبيق قوانينها الخاصة في المناطق التي تحتلها .
لقد اكتنزت ذاكرة الأمين العام بالوضع المأساوي المؤلم في لبنان وفلسطين ، وزيارته التي استهدفت متابعة تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 ، كان مفترضا أن تنعش الآمال بتطبيق كل قرارات المجلس الصادرة بشأن الصراع العربي الإسرائيلي وأولها القرار 242 الذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة والعودة إلى خطوط الرابع من يونيو عام 1967 .
وهو القرار الوحيد الذي يعالج المشكلة بشكل جذري على جميع المسارات ، وتطبيقه يعني زوال الأعراض والاحتقانات المترتبة على استمرار الاحتلال ، والسعي لضم المزيد من الأراضي الفلسطينية بقرارات أحادية الجانب ، فالمقاومة تأتي من رحم الاحتلال ، وزواله يعني تحول المقاومين الى قوى عمل انتاجية في مختلف مجالات التنمية .
وهذا ما لم يسع إليه الأمين العام ، والذي اكتفى بمتابعة تنفيذ قرار 1701 المتعلق ببعض أعراض وظواهر المشكلة الرئيسية ، دون التطرق إلى ضرورة تنفيذ باقي قرارات المجلس الخاصة بزوال الاحتلال وجميع مظاهره من كل الأراضي العربية المحتلة .
إن الإشارات الصادرة من دمشق بتبنيها السلام كخيار استراتيجي دون تفريط في الحقوق ، والوضع المأساوي الذي انتهى إليه العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي هزم عسكريا وسياسيا فحاول تعويض إخفاقه بتحقيق انتصار على الطرق والجسور والمساكن والمدنيين ، والاحتقان الشديد في الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة .
ذلك الذي يؤكد استحالة أن تتمكن اسرائيل من هزيمة مقاومة وطنية بإصرار على استمرار ممارسات إرهاب الدولة ضد المدنيين ، كل هذا يؤكد أن على أمين عام الأمم المتحدة السعي بقوة لحل جذور المشكلة المتمثلة في استمرار الاحتلال واغتصاب الحقوق ، كما أن عليه أن يؤكد مصداقية المنظمة الدولية بتفعيل جميع قرارات مجلس الأمن بهذا الشأن ، وليس بشكل انتقائي للقرارات التي تصب في مصلحة إسرائيل ومن يدعمونها .
ان مهد الحضارات والرسالات السماوية الثلاث تحتاج من المجتمع الدولي التعامل بحيدة وموضوعية في هذه القضية ، وتحتاج من ساسة إسرائيل التخلي عن الغطرسة والغرور والشعور الزائف بالتفوق ، والاستيعاب الكامل لحقيقة أن توفير الأمن لجميع شعوب المنطقة بمن فيهم الإسرائيليون لن يتم أبدا بالقوة المفرطة الغاشمة .
وأن التفاوض هو السبيل الوحيد لارساء دعائم سلام دائم عادل ، كما تتطلب هذه المنطقة الهامة التي تحوي نسبة كبيرة من احتياجات النفط والغاز الطبيعي ، أن يؤكد مجلس الأمن هيبته ويسعى لاسترداد مصداقيته المفقودة احقاقا للحق وضمانا لاستقرار أسعار النفط والغاز عالميا .
كما أنها تتطلب من الأمين العام للأمم المتحدة ممارسة كامل فعالياته وصلاحياته ، ومن أبرزها العمل على التطبيق الكامل لجميع قرارات مجلس الأمن الخاصة بالصراع العربي الاسرائيلي وبمعيار واحد غير قابل للازدواج .