عندما يؤكد الملك عبدالله الثاني بن الحسين على مسؤولية الامم المتحدة في دعم احياء عملية سلام شاملة فانه يلفت انتباه الامين العام للمنظمة الدولية السيد كوفي انان الذي استقبله امس الى ان مجرد الدور التوفيقي والمساعي الحميدة لا يكفيان للتصدي الحقيقي لحل ازمات المنطقة سواء تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية او الوضع في جنوب لبنان او في العراق.

على الامم المتحدة ان تتصرف بصفتها الحاضنة للشرعية الدولية والممثلة للمجتمع الدولي وان تقوم بواجباتها بصورة فاعلة لتحقيق الاستقرار في المنطقة والعالم ، وهي مطالبة بتولي مسؤولياتها اكثر من اي وقت مضى.

ذلك هو الاستخلاص الموضوعي لنتائج ما تشهده المنطقة من عدوان وعنف وتوتر ، وقد دلت الاحداث الاخيرة على امكانية الانزلاق نحو حالة من الفوضى اذا استمر الوضع على ما هو عليه لان النظام العالمي للدول سينهار امام بروز تيارات غاضبة يائسة صنعتها عقلية القوة الباغية بحيث صار مطلب الموت في حد ذاته نوعا من التعبير عن ارادة الحياة الكريمة .

ومن دون الانتباه الى العوامل النفسية التي يفرزها الظلم والقهر واحتقار الحقوق المشروعة للشعوب فان كل الضوابط القانونية والاخلاقية والسياسية لن تصمد امام ردود الافعال المتوقعة.

ونقطة البداية كما حددها الملك في مباحثاته مع السيد انان هي معالجة جوهر الصراع في المنطقة اي قضية الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لاشد اشكال البطش الاسرائيلي بحيث يتوجب على المجتمع الدولي ان يوقف اسرائيل عند حدها وان يساعد الفلسطينيين على اقامة دولتهم المستقلة فوق ارضهم المحتلة .

الامر الذي يتطلب احياء عملية السلام في جميع مساراتها ، وهذا سيفتح الطريق حتما لتسوية الصراع العربي الاسرائيلي على اسس من العدالة والشمولية والديمومة ، اما ان تتصرف اسرائيل طوال الوقت كدولة متمردة على النظام العالمي فتلك مسألة تثير الشك وعدم الثقة بالشرعية الدولية التي يجري تطبيقها او عدم تطبيقها وفق ازدواجية المعايير.

ولعلنا بهذه المناسبة نشير الى ان مرد ازدياد عدد الدول التي صارت تدير ظهرها للقرارات الاممية يعود الى تلك الازدواجية والى اسرائيل بالذات التي لا تطبق القرارات ولا تحفل بالامم المتحدة وقوانينها ومعاهداتها بما في ذلك قرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل ، بل ان التمرد على النظام العالمي واستخفاف القوى التي اشرنا اليها بذلك النظام هو رد الفعل المتوقع على تراجع العدالة امام منطق القوة العسكرية.

وليس افضل من الحرب الاخيرة كدليل على امكانية قيام حروب وصراعات بين منظمات ودول مع ان نموذج احداث الحادي عشر من سبتمبر كان يكفي لاعادة النظر في مفهوم السلم الدولي ، وما يجري في العراق كدليل اخر على ان استخدام القوة بدل الحوار والتفاهم والتفاوض يؤجج الصراعات ويجعل الكلفة باهظة على القوي والضعيف معا ، ولذلك فقد آن الاوان لاخذ العبرة وفي الوقت المناسب حيث ما زالت هناك فسحة يجب انتهازها.

لقد قدم الملك وهو يتحدث عن الدور الذي يقوم به الاردن من اجل تحقيق السلام والوئام والاعمار في فلسطين والعراق ولبنان نموذجا صادقا عن التزام دولة بمسؤولياتها ليس تجاه دول وشعوب شقيقة وحسب ولكن كبلد عضو في الامم المتحدة لم يتأخر عن رفد قوات حفظ السلام في كل مكان بابنائه من القوات المسلحة والامن العام تعبيرا عن فهمه للسلام كقيمة انسانية نبيلة.