تستمر تداعيات الأزمة اللبنانية إثر الحرب التي شنتها إسرائيل بذريعة قدمها لها حزب الله على طبق من ذهب، إثر تخطيه الخط الأزرق وقيامه بأسر أو خطف جنديين إسرائيليين، مما وضع لبنان في مأزق سياسي وإنساني، والقضية لم تنته لغاية اليوم.

وحين دعت بعض الدول العربية منذ بداية الأزمة إلى الابتعاد عن المغامرات غير المحسوبة، فإن دعوتها انطلقت من رؤية موضوعية عقلانية للواقع، ذلك الواقع الذي تحكمه جملة من المسائل كالتوازنات الدولية والمسار السلمي والمفاوضات وتغير معايير القوى العالمية وخضوع منظمة الأمم المتحدة للقوى الجديدة.وكل ذلك يحتاج إلى منطق العقل عند أي تصرف.

وما يؤكد سلامة تلك الدعوة، هو سعي حسن نصر الله بعد يومين من الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على لبنان إلى تبرير عملية أسر الجنديين التي جعلته يرى لبنان وقد دمّر وتناثرت أجساد الأبرياء فيه وصار قطعا ممزقة، بقوله إنه حصل بعد أن بدأت الحرب على معلومات تؤكد أن إسرائيل كانت تخطط للعدوان بعد شهرين.

وفي الوقت ذاته طلب ممن قالوا عن عمليته إنها مغامرة غير محسوبة أن يراهنوا على عقولهم. لكنه عاد واعترف في تصريحه الأخير بأن المغامرة التي راهن عليها أخفقت، ولو كان يعرف النتائج لما أقدم عليها، ويؤكد بذلك أن المراهنة على العقول كانت هي الأجدى والأكثر نفعا في هذه الأوقات.

بمنطق العقل، ما الذي حدث في لبنان وما الذي جناه حزب الله بعد إيقاف القتال؟، يمكن اختصار النتائج التي اعتبرها حزب الله وبعض العرب انتصارا، في أن إسرائيل ما زالت تفرض الحصار على لبنان على الرغم من مناشدة الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة الذي يتنقل بين دول المنطقة هذه الأيام.

وكذلك بقايا القنابل العنقودية التي زرعت في لبنان ما زالت تنفجر وتقتل بين يوم وآخر، وعناصر حزب الله سينتقلون إلى ما وراء نهر الليطاني، والقوات الدولية والجيش اللبناني سيكونون عيونا على حزب الله لحراسة إسرائيل، وقرار مجلس الأمن 1701 فهمته إسرائيل على طريقتها وتركت جيشها في جنوب لبنان، وتطالب كل يوم بمزيد من حماية أمنها، هذا عدا المجازر والدمار والمهجرين والبيوت التي أصبحت أنقاضا.فأي مراهنة على مغامرات نجمت عنها كل تلك الكوارث؟.، وأي نصر قد تحقق؟.

أسئلة كثيرة توجه الآن إلى من راهنوا على مغامراتهم، وابتعدوا عن التعقل، وإلى الذين اعتبروا الدعوة إلى العقل خطأ استراتيجيا وراحوا يهاجمون الداعين إليها، وإلى الأمم المتحدة التي يجب أن يكون لها دور فاعل من أجل عودة العقل إلى المنطقة عبر قرارات متوازنة، وعبر حلّ كل المشاكل في المنطقة، كلها بدون استثناء، من أجل صنع سلام حقيقي وشامل.