للسياسة أصول ولياقات كما لكل شيء في هذه الحياة، والتعاطي السياسي بجب أن يكون لبِقاً لأنه بين رجال دولة، أو هكذا يُفتَرَض، وفي المكاتب وليس في الشارع. اكتفي بهذا القَدْر، في الشكليات لأن اللبيب من الإشارة يفهم ولا حاجة الى المزيد.
ولننتقل الى صلب الموضوع: من دون سابق إنذار، ومن دون مقدِّمات، ما إنْ دخل وقف اطلاق النار حيِّز التنفيذ، في الرابع عشر من الشهر الأخير، حتى بدأت حملة من أكثر من جهة وتيار وحزب ولقاء، تُطالب برحيل الحكومة، وكان كلُّ طرف في هذه الحملة يُعطي مبرِّرات وحججاً وذرائع تُعزِّز وجهة نظره في الحملة.
لكن ما لفت النظر فيها انها جاءت من أطراف يجمعهم التناغم والتفاهم، لكن منهم ما يتحرَّك من الخارج أو يتأثر بالخارج، ما يطرح ريبةً وشكوكاً وخشيةً من هذه المطالبات.
ان توقيت الحملة يبدو أهم من مضمونها، واستطراداً، لماذا المطلوب إسقاط الحكومة أو ترحيلها في سبتمبر ? فماذا في سبتمبر? يبدو ان هذا الشهر مليءٌ بالإستحقاقات، وهو يستلزم حكومةً جاهزة متمرِّسة ومتابعة لكل التطورات، أي ان تكون في قلب الحدث لا على هامش الحدث:
ففي منتصف سبتمبر يُقدِّم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان تقريره عن مسار القرار .1701 وفي منتصف سبتمبر تكون المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي، للنظر في قضية اغتيال الرئيس الحريري، قد اكتملت. وفي منتصف سبتمبر يُقدِّم المحقق الدولي سيرج براميرتس تقريره الى تلك المحكمة والذي سيكون بمثابة (القرار الظني) الدولي.
ماذا يبغي المتحامِلون على الحكومة والمطالبون برحيلها? السيناريو المعدّ هو ان نصل الى هذه الإستحقاقات في ظل فراغ حكومي، وفي أحسن تقدير، في ظل حكومة تصريف أعمال، وتكون البلاد غارقة في إلهاءات الآلية الدستورية لتشكيل الحكومة:
من استشارات التكليف الى استشارات التأليف الى البيان الوزاري الى جلسة الثقة الى التسليم والتسلم في الوزارات الى تحضير الملفات للإنطلاق في العمل، فتمر هذه الإستحقاقات أو تؤجَّل بذريعة ان لا حكومة في البلاد لمواكبة تلك التطورات.
تلك هي بعض خلفيات هذه الحملة، ولكن هل تنجح? ان نسبة النجاح شبه معدومة ، فآلية إسقاط الحكومة غير متوافرة إطلاقاً، فهي تستمر حائزة على ثقة مجلس النواب، وإمكانية اسقاطها في الشارع معدومة، فلكل قوى شارعها واللجوء اليه سلاحٌ ذو حدّين وكلُّ حدٍّ منه يُعطِّل الحد الآخر.
في ظل هذه المعطيات، لماذا المعاندة والإصرار على التغيير? المؤسف ان بعض المواقف محكومة بالإنفعالية وكلما تضاءلت الفرص العملية لرحيل الحكومة كلما ازدادت حدّة الإنفعالية.
في هذا السياق توقّف المراقبون عند الوتيرة الحادة لرئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون في معرض مطالبته برحيل الحكومة وردِّه على رئيسها، خصوصاً في قوله:ان السنيورة سيدفع ثمن عناده، وعليه ان يعرف ان ذلك قد يحصل في لحظة سريعة ربما تباغته فجأة من حيث لا يدري، وأغلب الظن انه لن يستطيع عندها لملمة اغراضه لأنه سيجد نفسه مضطراً للرحيل السريع.
هذا سيناريو انقلاب، فهل هذا ما قصده العماد عون? واذا لم يكن مقصوداً فهل السيناريو الآخر اقتحام السرايا? العماد عون ديمقراطي، وهو منذ عودته سلك العمل المدني واختار الإنتخابات النيابية فترأس كتلة نيابية مرتبتها الرقم ثلاثة في حجم الكتل النيابية، ويعرف جيداً المسالك الديمقراطية والدستورية للتغيير، فما حاجته الى هذا الكلام الإنقلابي الذي لا يمكن تحقيقه والذي يُعيد الى الأذهان صورة الجنرال الذي أراد هو محوها?
يُدرِك العماد عون ان ثلاثةً وعشرين نائباً لا يُسقطون الحكومة، ويُدرِك ان آلاف يُحيطون السرايا لا يُسقطون الحكومة، ويُدرِك ان رئيس الحكومة يحظى بتقدير واحترام يبدأ من الرياض وعمان والقاهرة وينتهي بواشنطن وروما وباريس ونيويورك، فلماذا هذا العناد في مكاسرته? أين اخطأ الرئيس السنيورة?
هل لأن أول اتصال داخلي أجراه، حين بدأ العدوان الإسرائيلي، كان بالعماد عون? هل حين عقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع الرئيس بري لوأد الفتنة? هل حين قال إن لبنان هو آخر دولة عربية توقِّع اتفاق صلح مع اسرائيل? هل حين زار الضاحية الجنوبية برفقة الرئيس بري? هل لأنه بكى مرَّتين أمام المجلس الوزاري العربي الذي انعقد في بيروت? هل يُعقَل أن يُحاصر الرئيس السنيورة من الداخل، بهدف تسهيل إسقاطه، في موازاة حصارٍ من الخارج?
كل المؤشرات تدل على ان الحكومة باقية وان رئيسها عنيدٌ في صموده وثباته، وان ثقة المجلس النيابي به ثابتة وأكيدة ولم يُصبها وهنٌ أو تصدُّع، أما القول إنها (تحالفت مع الخارج ضد الداخل) فنترك الحُكمَ في صحته للرأي العام الذي يعرف تماماً مَن استقوى ويستقوي بالخارج على الداخل: مالاً وسلاحاً.