الجولة الحالية للامين العام للأمم المتحدة تحتاج إلى أكثر من وقفة حول الغرض منها، والأولويات التي يضعها عنان في قائمة اهتماماته . فإذا كان عنان قد جاء إلى المنطقة سعيا من جانبه أو من قبل المنظمة الدولية لتنفيذ القرار 1701،

فان لبنان سيكون أول المرحبين بهذه الخطوة رغم إجحاف القرار بكثير من حقوقه، ولكن تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة في بيروت حول ضرورة إطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين، وجعل منطقة الليطاني منزوعة السلاح، تشير إلى غير ذلك.

فالقرار 1701 يحدد مطالب معينة من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وهى مطالب يستوجب تنفيذها بالضرورة تلازما ،، فليس من المعقول أن ينفذ لبنان كل ماهو مطلوب منه على الأرض ويظل الحصار الإسرائيلي البرى والبحري والجوي مفروضا على أرضه ومياهه وأجوائه.

والملفت أن تصريحات عنان في بيروت والعواصم الأخرى التي زارها خلال جولته الحالية، جاءت متناغمة مع دعوات مماثلة صدرت من الرئيسين بوش وشيراك، ومن شخصيات أميركية وإسرائيلية أخرى مثل كونداليزا رايس وجون بولتون وتسيبي ليفني وعمير بيريتس.

بعبارة أخرى، فان المطلوب من لبنان هو سرعة تطبيق ما عليه من التزامات في القرار 1701 وفى مقدمة ذلك إطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين وإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب الليطانى، إلى جانب ترتيب الحدود مع سوريا ،، أما رفع الحصار الإسرائيلي والإذلال الذي يعانى منه اللبنانيون ـ كما عبر عن ذلك عنان نفسه ـ والانسحاب من مزارع شبعا وتسليم خرائط الألغام ، فكلها قضايا تحتمل التأجيل وليس لها صفة الاستعجال.

وهنا يتساءل المراقبون : هل جاء عنان لينفذ ماعجزت عنه الآلة العسكرية الإسرائيلية بالقوة ؟ ومع هذا التساؤل يتوقف المحللون عند نقطة أخرى لاتقل أهمية تدور حول (المعجل والمؤجل) في القرار 1701ليتساءلوا : هل مطلوب من الحكومة اللبنانية أن تستقطع من أرضها مناطق لحماية اسرائيل وسكانها ؟ أم أن منطق الأمور يقتضى أن تقام هذه المنطقة داخل اسرائيل باعتبارها المستفيدة من ذلك، أو على الأقل أن تكون مشتركة بين الجانبين .

المراقبون أنفسهم توقفوا عند تصريحات عنان التي وصف فيها الحصار الإسرائيلي بأنه إذلال للبنانيين وانتهاك لسيادتهم وتساءلوا : ألا يحق للبنان بكل فئاته أن يدافع عن حقوقه ومقدراته لفك هذا الحصار ؟ أم على اللبنانيين أن ينتظروا ماستجود به اسرائيل عليهم وهى التي لم تحترم يوما قرارا أو معاهدة دولية منذ اغتصابها فلسطين.

وبغض النظر عن جولة كوفي عنان ونتائجها المتوقعة، فان لبنان الرسمي والشعبي مطالب بالالتفاف حول قضيته الأولى وهي فك الحصار الحالي واسترجاع مزارع شبعا، والاهم من ذلك تفويت الفرصة على كل من يخطط لاستدراجه إلى مفاوضات قد تقود في النهاية إلى معاهدات لاتخدم مصالحه.

وبغض النظر عما يصدر من واشنطن والعواصم الغربية وتل أبيب من تصريحات ودعوات ومايحاك فيها من مخططات، فسوف يظل الموقف اللبناني الواعي لما يدور حوله، هو الأمل والسياج المنيع الذي يعول عليه ـ ليس فقط المواطن اللبناني ـ بل العربي الذي تفاعل بصدق مع المقاومة، بعد أن تقاعست أنظمة عربية كثيرة عن أداء رسالتها القومية.

لقد أعطت المقاومة اللبنانية في حربها الأخيرة ضد القوات الإسرائيلية الغازية، دروسا كثيرة ينبغي التوقف عندها بحيادية وقراءتها بموضوعية بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع توقيت هذه الحرب أو الهدف منها أو حتى نتائجها.

فإذا كانت الحرب قد «عرت» الأنظمة العربية وكشفت قصر نظرها وهشاشة مواقفها، فإنها قد أعطت الأمل وضربت القدوة والمثل لكل من امن وأخلص لتحقيق هدف نبيل وضحى من أجله بكل غال وثمين.

haniihanii@hotmail.com