المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الأميركي أخيرا كان أقرب إلى إعلان إفلاس سياسي كما هو الأمر في كل شيء متعلق برعايته للحرب في العراق. ففي الوقت الذي انخفضت فيه شعبيته بشكل رهيب، وفيما بدأ عدد من كبار الجمهوريين التساؤل حول جدوى البقاء في العراق، أعلن الرئيس بشكل صريح أنه لن يكون هناك انسحاب للقوات الأميركية من العراق قبل ظهر يوم 20 يناير 2009.
أعتقد أن ويل روجرز هو الذي قال إنه عندما تجد نفسك داخل حفرة، فإن أول شيء ينبغي لك فعله هو أن تتوقف عن الحفر. الرئيس يعلم أنه في حفرة الآن. ولكنه مستمر في الحفر بشكل ثائر ويعد بأنه لن يتوقف عن الحفر.
هل يحمل هذا التصرف أي منطق؟ نحن لدينا فيلق من كبار ضباط الجيش ذوي المستويات الطيبة الذين تعلموا كيفية التأقلم مع تغير الظروف على ساحة المعركة وذلك من خلال تدريب عسكري يُنفذ من خلال الكمبيوتر وأطلق عليه اسم «برنامج تدريب القيادة» لقادة الوحدات من الجنرالات الذين يحملون نجمتين وثلاث نجمات والذين يعملون تحت إمرتهم.
هؤلاء الضباط يبدأون التدريب باستخدام 20% من المعلومات الاستخبارية التي يحتاجونها وبخطة معركة لا تصمد بعد أول اتصال مع العدو. ويتوقف التدريب بشكل مؤقت بعد يومين، حيث يقف القائد أمام الجميع وينتقد خطته وقراراته، ويسرد أخطاءه. ثم يقوم بإعادة رسم خطته وتُستأنف اللعبة. فقد تعامل مع الواقع المؤلم لأي ساحة معركة وأدخل التغييرات الضرورية.
ولكن عندما يرفض قائد أركانك وقادتك المدنيون في البنتاغون الاعتراف بارتكاب أي أخطاء فإنهم بذلك يجهضون أي فوائد لمثل تلك التدريبات العسكرية ويغلقون الباب أمام أي إمكانية لحدوث تغير إيجابي. هذا بالضبط ما يجري على امتداد تلك الأعوام التي مرت منذ بدء حرب العراق، ولا يزال الرئيس ورجاله لا يستطيعون رؤية طريقهم بشكل واضح ولا يقومون بعمل ما يعلم أي جنرال جيش بنجمتين أنه ينبغي فعله.
السيناتور جون ماكين هو أحد الصقور الذين يؤيدون حرب العراق. وهو يعتقد أن الانسحاب الأميركي لن يؤدي إلى أي شيء سوى تشجيع أعدائنا في جميع أنحاء العالم. ولكن ماكين الذي يأمل أن يكون المرشح الجمهوري للرئاسة في 2008 يتسم بالواقعية.
فبعد يوم واحد من قيام بوش بعرض أوراقه على الطاولة، أعرب ماكين عن أسفه وحسرته على التوقعات التي خرجت عن إدارة بوش وأفادت بأن غزو واحتلال العراق سيكون بمثابة «نزهة على الشاطئ». يقول ماكين، وهو عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أريزونا والذي كان طيارا مقاتلا في البحرية وقضى أعواما في معتقل في شمال فيتنام: «كم يؤلمني بقدر كبير أننا لم نخبر شعبنا كيف ستكون المهمة مؤلمة وصعبة».
وإحقاقاً للحق فإن الرئيس أشار بشكل صريح إلى أنه هو والجمهوريون لديهم استراتيجية بشأن العراق. وقال في هذا الصدد إنهم سيبذلون أقصى جهد لهم خلال أشهر الخريف من أجل إظهار كيف أن الديمقراطيين جبناء ويفضلون أن يهربوا من أرض المعركة وذلك بعد أن اقترحوا قيامنا ببدء تقليص قوتنا الصغيرة بالفعل في العراق مع نهاية العام الجاري. إن ما يقوله بوش ما هو إلا رأي آخر جديد يحمل بصمات كارل روف الوراثية.
لقد أعرب الرئيس بوش عن بعض الشعور الشخصي بالإحباط بسبب «العنف» على حد تعبيره، والذي هو في الحقيقة حرب أهلية دائرة في العراق، وذلك في الوقت الذي تقف فيه الحكومة المنتخبة ديمقراطيا، والتي عيناها نحن هناك، مكتوفة الأيدي وهي ترى دولة تمزق أوصال نفسها.
الحل سيدي الرئيس ليس في الإبقاء على المسار الحالي في العراق بل في تغييره. فلتتعامل مع الحقائق الموجودة على أرض المعركة. أنت تواجه حركة سنية مسلحة عازمة كل العزم على الوقوف ضدك، وفي الوقت ذاته هناك حرب أهلية تمتلئ خلالها الشوارع والأنهار بجثث الذين قتلوا في أعمال انتقامية.
ما نحتاجه الآن وما كنا نحتاجه بشدة منذ صيف 2003 هو برنامج قوي لمكافحة الحركة المسلحة؛ ومثل هذا الأمر هو مهمة الشرطة وليس مهمة جيش نظامي أو قوات مارينز لديها دبابات من طراز أبرامز أو مركبات برادلي القتالية ومدفعية ومعدات ضرب جوي.
و ريثما ندرك هذه الحقيقة البسيطة، ونعمل على أساسها، فإن كل ما نفعله الآن عندما نقوم بقتل أو جر مسلح آخر إلى سجن أبو غريب هو أننا نخلق اثنين أو ثلاثة أو أربعة مسلحين أو أ كثر من عائلة هذا المسلح الذي يجري اعتقاله.
هناك أناس من داخل وخارج قيادتنا العسكرية يعلمون كيف يعملون وفقا لتلك الحقيقة بشكل جيد. ولكن ريثما تكون لديهم حرية التصرف، فإن العراق سيكون قد ضاع وستكون كلمات الرئيس قد أصبحت هباءً منبثا.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل: «البيان»