ما هو الحال في أفغانستان بعد خمس سنوات من الاحتلال الأميركي؟ فلنستمع إلى شهادة أميركية لنتساءل بعد ذلك عن مصير وجدوى الوجود العسكري الأميركي على الأرض الأفغانية. تحت عنوان «نحن نخسر أفغانستان» تقول صحيفة «هيرالد تريبيون» في مقالة افتتاحية إن الاحتلال لم يجلب للشعب الأفغاني أماناً أو بعثاً اقتصادياً أو حكماً صالحاً.
عوضا عن ذلك يسود الفساد على يد حكومة ترأسها شخصية موالية لأميركا ويسيطر عليها أمراء حرب وتجار مخدرات يتمتعون بدعم سياسي وعسكري أميركي. أما على الصعيد القتالي ـ تقول الصحيفة ـ فان القوات الأميركية ومعها قوات من الحلف الأطلسي الغربي لم تستطع حتى الآن أن تحقق انتصارا بعد أن استعادت قيادة قوات طالبان زمام المبادرة وحاليا تدور رحى معارك يومية تتصاعد خلالها معدلات سقوط الضحايا من الجنود الأميركيين وجنود قوات الأطلسي.
وبينما تقول الصحيفة الأميركية انه بسبب الفساد الحكومي المستشري لن تستطيع حكومة حامد قرضاي تنفيذ أي برنامج لإعادة إعمار البلاد فإنها تتناسى تكملة الحقيقة بالقول إن إدارة بوش تغض النظر عن ظاهرة الفساد لان عمليات الإثراء الشخصي غير المشروع
يشارك فيها الجنرالات الأميركيون أنفسهم الذين يقودون الطاقم الإحتلالي ـ تماما كما هو الحال في العراق، وحتى إذا نفينا عن قرضاي نفسه صفة التواطؤ العمد مع أمراء الحرب وتجار المخدرات على صعيد الحكم فان هؤلاء يحظون برضى الإدارة الأميركية.
والنتيجة هي أن جشع أساطين الإجرام هؤلاء أدى إلى توسيع الفجوة الطبقية بين شريحة ضئيلة والأغلبية الشعبية التي لم تزدد في ظل الاحتلال الأميركي إلا فقراً وبؤساً. وتفيد الصحيفة أن ظاهرة الفساد المنتشرة امتدت إلى صفوف الشرطة، ومن الطريف في هذا الصدد أن الشخص الذي عينه قرضاي قائداً لشرطة العاصمة كابول يقال عنه إنه أحد زعماء الجريمة المنظمة!
هذا كله يستدعي تساؤلاً: إذا كانت الولايات المتحدة قد فشلت بعد غزو واحتلال لمدة خمس سنوات حتى الآن في تحقيق أي هدف من أهدافها المعلنة فلماذا تبقى قواتها على الأرض الأفغانية ليتصاعد الفشل إلى المزيد من الفشل؟.
لقد كان الغزو الأميركي لأفغانستان باكورة «الحرب الأميركية العالمية على الإرهاب» التي أشعلتها إدارة جورج بوش في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وحينئذٍ كان الهدف المعلن لحملة الغزو هو القضاء على تنظيم (القاعدة) بزعامة أسامة بن لادن عن طريق تدمير تنظيم طالبان الحاكم لاستضافته مقاتلي «القاعدة». فماذا كانت النتيجة؟
الآن أصبحت القدرة القتالية لتنظيم طالبان أقوى مما كانت عليه قبل الغزو الأميركي، ورغم أن القوات الأميركية الإحتلالية وسعت دائرتها القتالية لتشمل منطقة الحدود الأفغانية مع باكستان إلا أن قيادة تنظيم «القاعدة» لا تزال على قيد الحياة الجهادية. المنطق البسيط يفيد بأن على الإدارة الأميركية أن تتخذ قراراً حاسماً يقضي بالانسحاب من الأراضي الأفغانية قبل فوات الأوان ـ
أي قبل أن تلحق بالقوات الأميركية هزيمة أفغانية حاسمة، لكن جنرالات وزارة الدفاع الأميركية لا يفكرون على هذا النحو، فلا يهم أن تنتهي الحرب إلى هزيمة طالما أن شركات صناعة السلاح الأميركية تواصل تعظيم أرباحها عن طريق تجدد تعاقدات بيع الأسلحة إلى الحكومة الأميركية.