هل تنطبق فلسفة التاريخ على العالم العربي يا ترى مثلما تنطبق على غيره من العوالم والنطاقات الحضارية الأخرى؟ اقصد هل لحركة الأحداث معنى عندنا أم أنها عبثية فوضوية لا طائل من ورائها؟ ظاهريا تبدو الأمور وكأنها تراوح مكانها أو حتى تعود إلى نقطة الصفر من جديد.
ولكن في العمق هناك أشياء تتململ وتتحلحل وتتحرك. فعندما يقول بعض قادة حزب الله بان هذه الحرب ستكون آخر الحروب فان هذا يعني إننا لسنا محكومين بالحرب إلى ابد الآبدين كما يبشرنا بعض الإيديولوجيين العتاة. وعندما نسمع بان أغلبية الشعب الفلسطيني أصبحت تقبل بفكرة دولتين على ارض فلسطين التاريخية فان هذا يعني ان التاريخ يتحرك حتى في فلسطين. والواقع انه إذا لم يتحرك هناك فلن يتحرك في أي مكان آخر .
فجدلية التاريخ العربي عطلت أو عرقلت أو شوهت منذ ان كانت دولة إسرائيل قد أسست في المنطقة قبل حوالي الستين سنة. كل النهضة العربية التي كانت صاعدة وواعدة منذ القرن التاسع عشر ذهبت ضحية هذه العملية التي شلت التاريخ العربي شللا.
ولن يعود هذا التاريخ إلى جدليته الطبيعية الا بعد حل هذه المشكلة التي قصمت ظهر العرب قصما. فهل سيفهم الغرب هذه الحقيقة ويفرض حلاً إجبارياً على قادة إسرائيل الذين أعمتهم نشوة القوة العسكرية والتكنولوجية؟ ربما كانت هزيمتهم غير المتوقعة في الحرب الأخيرة ستساعدهم على السير في هذا الاتجاه.
أو قل ربما كانت المجازر التي ارتكبوها في لبنان وفلسطين أمام أنظار العالم كله والتي دفعت بمنظمة العفو الدولية إلى إدانتهم علنيا بارتكاب جرائم حرب ستجبرهم على اتباع طريق آخر غير طريق الغطرسة والاستعلاء، وبالتالي فرب ضارة نافعة.
ربما لن تذهب دماء الأطفال وأمهاتهم سدى في غزة وقانا وبقية الربوع. وهذا يؤكد على صحة احد قوانين فلسفة التاريخ عند هيغل الذي يقول بان العام لا يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام الا على ركام الخاص وتضحياته الجسيمة. قد يبدو هذا الكلام مرعبا بل وحتى لا انسانيا ولكن هذه هي الحقيقة بالنسبة للتاريخ العربي والتاريخ الأوروبي وكل تاريخ بشري. فالتاريخ الكوني بحاجة إلى الضحايا الخصوصية للأفراد.
لن يستعيد التاريخ عافيته أو مسيرته الطبيعية في العالم العربي إذن الا بعد ان نتخلص من قصة إسرائيل ويتحقق السلام في المنطقة. والآن نستطيع نحن العرب ان نقيم السلام بعد ان حطمنا أسطورتها من خلال الحرب الأخيرة التي كانت مشرفة بكل المقاييس.
هذا السلام اذا ما تحقق لن يكون حارا ولا ساخنا ولا حتى مرغوبا ولكنه سيتيح لنا ان نتنفس الصعداء ولو قليلا لكي نتفرغ لمعركة أخرى لا تقل شراسة وهولا. واقصد بها معركة البناء والنهضة والتنوير والإصلاح.
فالمشروع الحضاري العربي الذي عطلته إسرائيل وأجهضته سوف ينطلق من جديد بعد ان نكون قد تفرغنا له لأول مرة منذ ستين سنة أو حتى مئة سنة لان المشروع اليهودي في فلسطين سابق على تأسيس إسرائيل بخمسين سنة أخرى على الأقل. انه يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
لقد شغلتنا إسرائيل عن معركتنا الجدلية الخلاقة مع أنفسنا لمدة مئة سنة على الأقل .لولاها لكان الإصلاح الديني قد تحقق ولربما كنا قد وصلنا إلى مرحلة التنوير وفصل اللاهوتي عن السياسي وإعطاء كل ذي حق حقه . لولاها لكنا قفزنا قفزات كبيرة إلى الإمام ولربما كنا وصلنا إلى مستوى اسبانيا من حيث التطور أو على الأقل البرتغال.
في الواقع ان همومنا الداخلية كانت تكفينا وتزيد وما كنا بحاجة إلى قصة إسرائيل لكي تعرقل تطورنا أو تجهض نهضتنا. كان كابوس واحد يكفينا فما بالك بكابوسين؟ وربما لهذا السبب فان نقمة المثقفين العرب على الغرب اكبر من نقمة كل مثقفي النطاقات الحضارية الأخرى كالهند والصين بل وحتى اليابان على الرغم من إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما لأول مرة.
وهذا شيء مؤسف في الواقع لان الحضارة الغربية تحتوي على مناهج وقيم وفتوحات علمية وفلسفية لا مثيل لها في التاريخ . لقد أجبرونا على كرهها إجبارا بسبب دعمهم للباطل الإسرائيلي ضد الحق الفلسطيني على طول الخط تقريبا. ولو ان الغرب يغير سياسته الآن ويفرض حلا معقولا أو شبه معقول في فلسطين لانخفضت شعبية التيار الظلامي عندنا إلى النصف على الأقل.
اما النصف الباقي فنحن نتكفل به. فالشعوب العربية والإسلامية ليست خالية من الطاقات والعبقريات. لحسن الحظ فان بعض المثقفين في الغرب يعترفون بالحقيقة ويعرفون ما جرى في فلسطين بالضبط.ومن بين هؤلاء الفيلسوف الفرنسي ايتيان باليبار تلميذ التوسير وصديقه . فقد نشر مؤخرا مقالة هامة في جريدة اللوموند الفرنسية بالاشتراك مع عالم الفيزياء اليهودي جان مارك ليفي لوبلون.
وقد اعترفا فيها بان سبب كل الكوارث الحالية يعود إلى الشعار الصهيوني الشهير:ارض بلا شعب لشعب بلا ارض. وهو الشعار الكاذب والمجرم الذي أدى إلى استئصال شعب بأسره من أرضه وإحلال شعب آخر محله قادم من شتى أصقاع الأرض.
وبالتالي فعلى اليهود أو على الأقل الإسرائيليين ان يعتذروا من شعب فلسطين طيلة الخمسين سنة القادمة مثلما يعتذر الشعب الألماني منهم منذ خمسين سنة أو يزيد. فالمحرقة الفلسطينية بل وحتى اللبنانية لا تقل هولا عن المحرقة اليهودية. ومن المسؤول عن كلتا المحرقتين؟ أوروبا. ولذا ينبغي على الاتحاد الأوروبي ان يتحمل مسؤوليته أخيراً ويساهم جديا في حل هذه الكارثة التي كان هو السبب في خلقها وليس أميركا . أميركا جاءت فيما بعد .
والشيء الهام الذي ينبه إليه الفيلسوف الفرنسي هو التالي:ان إسرائيل بانتهاكها للقانون الدولي على هذا النحو الصارخ تقوض أسس مشروعيته وكذلك مشروعية الحق والعدل اللذين لا يمكن ان يستقيم الكون بدونهما. ويمكن ان نضيف قائلين بان سكوت معظم مثقفي الغرب على طمس الحقيقة الفلسطينية وتواطؤهم مع الأكاذيب الصهيونية هو الذي وجه ضربة قاصمة إلى مصداقية التيار التنويري والليبرالي في العالم العربي.
وربما لهذا السبب تركنا طه حسين وهو يردد هذه العبارة البليغة: أودعكم بكثير من الألم وقليل من الأمل... فالحضارة الغربية التي قامت على اكتشاف الحقيقة في مجال الفلسفة والدين والعلوم وكل شيء خانت نفسها في فلسطين عندما قبلت بطمس الحقيقة أو وأدها في مهدها .
ولذلك ما عاد العرب يصدقونها أو يثقون بها. وكانت تلك اكبر مصيبة نبتلى بها نحن التنويريين العرب. بل ربما كانت لا تقل عن مصيبتنا بفلسطين نفسها. فلم نعد نستطيع ان نفتح فمنا أو نقنع الجماهير بالجوانب الايجابية الرائعة للحضارة الأوروبية. وهكذا اسقط في يدنا وتغلب علينا التيار الأصولي الذي يكره بالفعل هذه الحضارة مثلما كان يكرهها التيار الأصولي المسيحي نفسه.
ولهذا السبب مات طه حسين مغموما ومهزوما. وبالتالي فالانسداد التاريخي الذي نعاني منه حاليا لا يعود إلى أسباب داخلية ذاتية فقط وإنما يعود أيضا إلى أسباب خارجية لا حيلة لنا بها. من هنا صعوبة الوضع العربي الراهن ومدى تعقيده وتشابكه واستعصائه على الحل والعلاج.
ولكن فلسفة التاريخ العادية البسيطة تقول لنا أيضا: ما بعد الضيق الا الفرج أو اشتدي أزمة تنفرجي. هذا الشيء لسنا بحاجة إلى هيغل لكي نفهمه أو نستوعبه. ولكن هل يكفينا يا ترى أو يعزينا؟.
كاتب سوري
باريس