لا تحل المقاومة بغتة كالزلازل، إنما تولد على مهل، كما ينبلج الصبح من رحم الليل. والناس لا ترى ولا تدرك إلا الذروة في فعل المقاومة، ويحسب المتعجلون والغافلون والمغرضون أنها إما عملية عشوائية، أو تهور لا يدرك العواقب ولا يتوخى الحذر، أو هبة عفوية، أو رغبة دفينة لدى فصيل من الناس في العنف، وربما الانتحار، بل يشكك هؤلاء في جدواها على المدى البعيد.
لكن الراسخين في العلم والعمل يؤمنون بأن أي شخص أو مجموعة عليها أن تمر بمراحل عدة من التربية النفسية والسياسية والتدريب العسكري حتى تحمل صفة «المقاومة» وشرفها، أو حتى تكون مقاومة حقيقية، لديها قدرة على التصدي والصمود والاستمرار والبقاء والتجدد الخلاق في التفاعل مع الواقع المعيش، إما لتغييره إلى الأفضل، أو على الأقل إيقاف ولجم من يريد لهذا الواقع أن يصير أكثر قبحا ومهانة وذلا واستكانة.
وتبدأ الرحلة إلى المقاومة بإدراك الفرد أو المجموعة للظروف التي تحيط بها، والإلمام بتفاصيلها، أو على الأقل معرفة الصورة الكلية العامة غير المنقوصة لها، وتحديد ماهية العدو، والوعي بأفعاله وخططه الآنية والمستقبلية. ثم تأتي بعدها مرحلة بناء موقف رافض لهذه الظروف، ساخط عليها، راغب في تغييرها.
وهذا الرفض قد يكون عند البعض مجرد شحنة نفسية يتم التنفيس عنها إيجابيا في كلام غاضب أو تظاهرة أو سلبيا بالانسحاب واللامبالاة والقناعة بما يجري، لكنه عند من يسير في طريق اكتساب المقاومة يكون هذا الرفض لبنة قوية، تتراص فوقها المواقف والسلوكيات الأخرى، حتى تصل بصاحبها إلى استعداد تام لحمل السلاح، والتضحية بالنفس، في سبيل الوطن أو القضية أو المبدأ.
وأولى هذه السلوكيات هي اكتساب سمة «العناد» الإيجابي، التي تعني التمسك بالحق، والمنافحة عنه، والاستعداد لبذل المزيد من الجهد في سبيل إعلائه، سواء ضد الغير، وهم أولئك المدافعون عن الباطل، أو ضد الذات أو أنفس الذاهبين إلى اكتساب المقاومة،
فلا تكون أنفس أمارة بالسوء، أو دافعة إلى الاستسهال والتراخي والتراجع خطوات إلى الخلف، فيتم السكوت عن الظلم، وترك الباطل يترعرع ويمد أذرعه، فيطوق أكبر عدد من الناس، كما يطوق الأخطبوط فريسته.
وثاني هذه السلوكيات هي «الممانعة» والتي تعني اتساع العناد كسمة نفسية ليكتسب أبعادا اجتماعية، أو ليتفاعل مع ما يجري بألسنة الناس وأياديهم. وتضيق الممانعة وتتسع طبقا لعوامل عديدة منها درجة أصالة القضية التي تنافح عنها المقاومة، وحجم الإجماع الوطني حولها، والقدرات التنظيمية للمقاومين أنفسهم، التي تؤهلهم للاتصال والتعبئة والحشد، لإيجاد أكبر قدر من التفاعل مع مواقفهم وقضيتهم.
والممانعة هي الدرجة الأقرب للمقاومة، والطريق المستقيم إليها، والبيت الأكبر الذي يحتضنها ويؤويها، وهي تقوم على إدراك الجماعة الوطنية أنها مستهدفة، وأن عليها أن تقف في وجه من يستهدفها، مترابطة أبية، قادرة على التصعيد إن احتاج الأمر.
وإذا كان هذا الاستهداف قد انتقل إلى الفعل، وقطع شوطا في محاولة النيل من استقلال الوطن وتهديد أمنه ومصالحه العليا، تأتي الممانعة في صيغة رفض حاد وتمرد، يمكن أن يأخذ شكل مقاطعة شراء السلع التي ينتجها الأعداء أو من يؤيدونهم، أو ينتظم في تحركات شعبية، عبر الجمعيات والمؤسسات الأهلية، التي تعلن رفض ما يجري،
وتحول هذا الرفض إلى فعل إيجابي، يحمل رسائل قوية إلى العدو، بأن الجماعة الوطنية لن تصمت على أفعاله وجرائمه، وأنها ستقاوم خططه واستراتيجياته، وستضحي بالغالي النفيس في سبيل إفشالها. وقد تأخذ الممانعة شكل «العصيان المدني» على غرار المنهج الذي اتبعه المهاتما غاندي في مواجهة الاحتلال الإنجليزي للهند، أو «النضال السياسي» المنظم المحمي برضاء الشعب ومباركته، مثل ما اتبعه سعد زغلول ورفاقه في كفاحهم من أجل استقلال مصر عن الاستعمار البريطاني.
وفي مرحلة الممانعة يكون الرافضون الذاهبون إلى المقاومة مستعدين لفضح كل من يتعاون مع الأعداء، بالترويج لأفعالهم ومباركتها، أو ببث الفرقة في صفوف الناس، فينفضوا عن التصدي للعدو، أو يرتكبون ما يجعل الطريق سهلا أمامه،
كي يغزو الوطن ويحتله، أو بزرع اليأس في نفوس الراغبين في المقاومة، فيلقوا سلاحهم مستسلمين، ويبحث كل منهم عن أمنه الشخصي، ومصلحته الفردية، في أنانية مفرطة، فتنهار القدرة الجماعية على الصمود والتصدي.
ومن بين أفواج الممانعين، يولد المقاومون، وهم من لديهم قدرة على حمل السلاح في وجه الأعداء، من أجل تحرير الأرض السلبية، وصيانة الأعراض المنتهكة، واسترداد الكرامة الضائعة.
مدير مركز أبحاث دراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة