في البرنامج الشهير على القناة الفضائية العربية الأشهر، استضاف المذيع المشاغب اثنين من المتحدثين بخصوص الحرب اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة. أحدهما من أبناء الأقليات العربية غير المسلمة المهاجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، متحدثا باسم البيت الأبيض، ومدافعا عن سياسات بوش في المنطقة العربية.
أما الآخر فهو وزير سابق، يمثل التيار العروبي المقاوم والمنحاز صراحة وبلا ريب لحزب الله ومقاومة الجنوب اللبناني. وبعيدا عن مدى عمق القضايا التي يتناولها البرنامج، فإن المشاهد لا يمكنه أن يغفل عن تلك الملاسنات والمشاحنات التي تحدث بين طرفي الحوار،
وبشكل خاص تلك اللحظات التي تتعالى فيها أصوات المدافعين عن أميركا والغرب وإسرائيل والليبرالية وحقوق الأقليات من جانب، وأصوات المدافعين عن العروبة والمقاومة وشجب الدور الأميركي والهيمنة الإسرائيلية في المنطقة من جانب آخر.
يتحول البرنامج، في الكثير من حلقاته، إن لم يكن كلها، إلى سيمفونية ردح من الطراز الرفيع. تنتقل الملاسنات من العام إلى الخاص، حيث التجريح والمهاترات الشخصية. وما يلفت النظر هنا، أن كلا الطرفين يستمران في الهجوم على بعضهما البعض طوال مدة الحلقة، لا يفكر أيا منهما في مخاطر ما يقوله أو في مخاطر ما يسمعه، وتأثيراته عليه.
وعلى ما يبدو أن استراتيجية الجلوس أمام الكاميرا في الكثير من الفضائيات العربية تتمثل في شحذ كافة أساليب الهجوم، وعدم السكوت ولو للحظة أمام المتحدث أو المتحدثين الآخرين. فكل لحظة صمت واستكانة معناها إفساح المجال للطرف الآخر للهجوم والردح، مما يعني في التحليل الأخير خسارة هذا الطرف الصامت لوصلة الردح الخاصة به.
وكنموذج لقصائد الردح ودلالاتها المخيفة والمخزية في الوقت نفسه، يمكن الإشارة إلى ما حدث في البرنامج السالف الذكر بين الضيفين الكريمين! والذي حدث أن الوزير السابق، المقاوم أو الذي يدعي المقاومة، قد أشار إلى اقتباس من كتابات الضيف الآخر العربي الأميركي، يبين من خلاله الإتهامات السلبية التي يكيلها للإسلام وللمسلمين وللنبي الكريم.
فما كان من هذا الضيف إلا أن رد قائلا بأن الوزير كان يعمل مستشارا لهيئة إسرائيلية. ولم يكتف بذلك، بل أردف قائلا، وبتحد يُحسد عليه، أنه إذا ما أراد الوزير فتح هذه الملفات، فإنه لديه العديد من الأشياء التي يمكنه التحدث عنها، والتي يحملها بين دفتي ملف جاهز بين يديه، ملوحا به أمام شاشة القناة الفضائية الشهيرة، عملا بالمثل المصري المتداول «لا تعايرني ولا أعايرك، الهم طايلني وطايلك».
وعلى ما يبدو أن اتهامات الطرفين لبعضهما البعض كانت صحيحة إلى حد بعيد. فالعربي الأميركي، وهو نموذج من بعض هؤلاء العرب المهاجرين الذين يكتبون بالإنجليزية بضمير ويكتبون بالعربية بضمير آخر مخالف، لم يعتبر ما وُجه إليه تهمة تستوجب الدفاع أو الإعتذار. وعلى ما يبدو أن السيد الوزير السابق كان يعمل فعلا مستشارا لمؤسسة إسرائيلية ما، فلم يدافع عن نفسه، ولم ينبس بكلمة واحدة، حيث كان ارتباكه شاهدا على فعلته.
وإذا كان هذا العربي الأميركي واضحا وصريحا في مشروعه التغريبي الذي يبتغيه للعالم العربي ويبشر به، فإن الوزير كان على النقيض التام من ذلك، من حيث إعلانه لشيء وممارسته لشيء آخر. فلماذا يدعي البعض المقاومة ويدافعون عن العروبة ويهاجمون أميركا وإسرائيل ليل نهار، بينما هم، وفي الخفاء، يعملون على الضد تماما من توجهات خطاباتهم المعلنة.
ولماذا تجذبهم نشوة خطابات المقاومة والعروبة، ويصرون على الحديث عنها أمام الملأ وعبر شاشات الفضائيات العربية المختلفة، وهم يلعبون أدوارا مزدوجة، حيث يعلنون خطاباتهم الشفوية والمكتوبة بضمير الدفاع عن المقاومة والعروبة،
بينما يمارسون حياتهم العملية بضمير آخر يستحل التعامل مع أعداء المقاومة وأعداء الأمة. وما الذي يجعلهم في حمأة دفاعاتهم المستمرة عن المقاومة والعروبة والمشروعات الوطنية يسقطون أمام جحافل الإغراءات المختلفة التي يتعرضون لها وتواجههم ليل نهار.
الواقع أن ما حدث في هذا البرنامج قد أصابني بالخوف والريبة الشديدة، فنحن أمام مسؤول سابق، يتحدث بكل قوة عن المقاومة وعن الجنوب اللبناني، يهاجم إسرائيل، ويتخذ موقفا واضحا لا لبس فيه ولا غموض، ورغم ذلك إذا بنا نكتشف أنه كان يعمل مستشارا لمؤسسة إسرائيلية.
وهو الأمر الذي جعلني أعاود النظر إلى العربي الأميركي الذي يمكن تصنيفه بسهولة، ولا يمثل بالنسبة لنا، رغم انتهازية وخطورة مشروعة المرسوم للمنطقة، صعوبة ما في فهمه وتحليله، حيث يمكن تصنيفه ضمن المشاريع الاستعمارية المرسومة للمنطقة والمستهدف انجازها.
الرجل لم يقل أكثر من ذلك، فهو يدافع بقوة عن الوجود والممارسات الأميركية في العراق، ويدافع عن إسرائيل ولا يدينها، ويهاجم الحكومات العربية بإجمال، ولا يتورع عن مهاجمة الإسلام والمسلمين ونعتهم بأحقر التوصيفات. وهل هناك وضوح فكري وأيديولوجي أكثر من ذلك!! وماذا يريد المرء من عدوه أكثر من مثل هذا الوضوح في المواقف الفكرية والتوجهات الأيديولوجية.
أما مكمن الخطورة فيكمن في أصحابنا الآخرين، ممن هم على شاكلة الوزير السابق، هؤلاء الذين ينبحون حناجرهم بالحديث عن المقاومة، ويجروننا وراءهم بأحاديثهم الوطنية الثورية، لنكتشف فيما بعد أنهم خانونا وباعونا بأحقر الأثمان.
من أسف أن الساحة العربية تمتليء بالعديد من أمثال هؤلاء الذين يجمعون بين وجاهة المقاومة، إذا كان للمقاومة من وجاهة الآن في عالمنا العربي، وبين أناقة التعامل مع الغرب، والإحساس بدفء الإنتماء له، والإنتعاش بظل دولاراته.
أسوأ ما تؤدي إليه هذه الإزدواجية الخفية أنها، وبمرور الوقت، تؤدي إلى خلق مناخ عام من الريبة والشك في كل من يدعم خطاب المقاومة والعروبة والوطنية. حيث يصبح لسان حال الجميع، هو التشكيك وصعوبة تصديق المتحدث، بل والنيل منه والطعن في خطابه.
ورغم أن الواقع العربي لا يعدم العديد من الشرفاء الذين لم تصل بهم الحال إلى إزدواجية الضمائر والمواقف والتوجهات، إلا أن ممارسات العديد ممن هم على شاكلة سيادته سوف تؤدي لا محالة إلى خلق مناخ موات من التشكيك في الجميع. الغريب في الأمر أن الجميع يتساوى في النهاية، حيث يصبح المؤيد للهيمنة الأميركية الإسرائيلية في الكفة نفسها التي يوجد فيها المؤيد للمقاومة والرافض لهذه الهيمنة.
ولعل هذا هو ما يفسر تلك التقلبات الفكرية الحادة التي يقوم بها العديد من المفكرين والكتاب العرب من مرحلة لأخرى. وهو تقلب، أو بالأحرى انقلاب، غير مؤسس على قناعات فكرية حقيقية، قدر تأسسه على انقلابات سياسية، ومصالح ذاتية ضيقة.
يعي الغرب هذه الوضعية الخاصة بالمفكرين والكتاب العرب، كما تعيها الحكومات العربية، لذلك فهما لا يقلقان مما قد يقوم به المفكر من ممانعة أو حتى ملاسنة لهما، فإن آجلا أو عاجلا سوف تخترقه سهامهما، بحيث يجد نفسه إما بين أروقة المؤسسات الغربية المختلفة التي تصل حدودها القصوى في العمل مستشارا لإحدى مؤسسات الدولة العبرية، أو بين أروقة أي من المؤسسات العربية التي تصل في حدودها القصوى إلى الكتابة بالنيابة عما تمليه عليه الحكومات الداعمة لتلك المؤسسات.
لا يمكن للمرء أن يقلل من خطورة هذه الأوضاع على وضعية العمل الوطني في عالمنا العربي، فالفضائح المتتالية، والمشاحنات المتصاعدة تكشف عن حجم المصاعب التي يواجهها الشرفاء، إن كان للشرف من أهمية الآن، في عالمنا العربي الموبوء بكل ما هو كامن تحت المناضد، وخلف واجهات المؤسسات.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com