تؤكد مختلف التجارب التي مررنا ونمر بها، وكذا كافة الخبرات التي توفرت وتراكمت لدى المجتمعات الأخرى، أن الوعي القانوني هو الأساس الناظم لكل فعل حضاري.

وغالبا ما نلمس في المجتمعات التي وصلت إلى درجة مرموقة من المثالية القانونية أن ذلك ناتج عملية خلق حالة من التقبل الإيجابي في قناعة الجمهور باعتبار أن مصلحته وسلامته في تمثله سلوكياً.

والحق أن في التزام القانون الضمان الفعلي لحقوق الجميع وحمايتها من أي شكل من أشكال التعدي عليها أو محاولة سلبها من أي طرف كان، خاصة وأن إقامة العدل والمساواة هو المبدأ والغاية التي يبنى عليها كل تشريع قانوني، وهي المسؤولية الملقاة أيضاً على عاتق السلطة المعنية بتطبيقه.

ومن باب الديمقراطية دخل الطابع السياسي إلى ملامح الصورة الحقوقية الإنسانية وليضاف في نفس الوقت إلى مجالات المسؤولية التشريعية والقضائية.

وداخل الإطار الديمقراطي تتشكل جملة من الحقوق المتصلة بتشكيل الأحزاب والتعبير عن الرأي والرأي الآخر، وغير ذلك من الحقوق التي يتصدرها الحق الانتخابي.

ونحن اليوم نعايش أجواء الانتخابات الرئاسية والمحلية التي تتفاعل فيها جملة من الممارسات التي تطغى عليها مهرجانات الدعاية الانتخابية لمرشحي الرئاسة وتليها المنافسة على عضوية المجالس المحلية.

ويحدو الجميع الأمل الكبير في أن ننجح في تقديم النموذج اليمني للروح الديمقراطية القدوة التي تتكامل لها عوامل التنافس الشريف والاقتراع النزيه والتقبل للنتائج بدرجة من الحماسة والحرارة لا تقل عن مستوياتها في الإقبال على الترشح والاقتراع.

ودائما ما ترتبط النموذجية في الأداء في كل مجالات الحياة بالنموذجية في تمثل وتجسيد المواصفات والأحكام القانونية التي تحدد مجالاته وكيفيته وما عدا ذلك فإنه الأكثر انتسابا إلى العشوائية والفوضوية والأقدر على الهدم والأعجز عن البناء.

ومن هذا المنظور للارتباط بين الأداء والقانون نتعرض للحق الانتخابي وما شهدته ساحته الدعائية من تفاعلات. والحق يقال أن أول ما تدل عليه الممارسات هو افتقار المرشحين إلى الفهم القانوني وأنهم الذين يحتاجون إلى الوعي القانوني كما يحتاج الناخب إلى التوعية القانونية، ويشهد على ذلك ما حدث وعلى نطاق واسع من مخالفات وتجاوزات حفل بها الخطاب الانتخابي ما يدل دلالة قاطعة على أن المرشح الذي يوغل في إتيان مثل هذه الممارسات على غير اطلاع بالقانون وإلاّ لما وقع في المحظورات.

وقد يسوق البعض لعذر الجهل لهذا المرشح مع أنه لا عذر مقبول، ولمرشح الرئاسة خاصة، وهو الذي يتقدم لقيادة دولة النظام والقانون. ولا عذر يشفع للمرشح من أن يكون عرضة للمساءلة وإنزال حكم القانون به في مجال عمد فيه إلى اتيان تصرف ما وهو يعلم حكم القانون فيه، وأنه الذي يجرمه.

ولا شك في أن تعمد المخالفة عن وعي يندرج في إطار أفعال الخروج على النظام والقانون المرفوض في كل الأحوال والمجالات الحياتية. ولا بد أن يكون الفاقد للوعي القانوني الانتخابي فاقداً بالتبعية للأهلية الديمقراطية في أن يكون عنصراً إيجابياً في تشكيل قوامها وبناء منظومتها السياسية والاجتماعية الشاملة.

ولغياب أو تغييب القانون نتيجة وحيدة وهي السماح بإلقاء تجربتنا الديمقراطية في مهاوى الاستغلال سيئ النوايا والغايات، وذلك ما لا ينبغي السماح به كون الديمقراطية حقاً للمجتمع قبل أن تكون مكسباً للفرد أو ساحة للتكسب الذاتي الضيق ولو على حساب الوطن. والارتباط التاريخي بين إقامة النظام الديمقراطي وإعادة تحقيق الوحدة يحتم أن يكون الخطاب والأداء الوحدوي قيمة انتخابية أصيلة وحكماً ديمقراطياً ملزماً لا مناص منه.