بين آسيا، وأوروبا، وأميركا حرب من نوع جديد، إذ جاء السباق على امتلاك التقنية بشرائحها واختصاصاتها المختلفة، وبروز اليابان، والتنانين الأخرى، ثم الصين كقوة عالمية رائدة، أن جعلت التنافس يخرج من صيغ الحرب الباردة بين الشرق والغرب، إلى حروب بالنيابة.

ولذلك اتسعت الجبهة على إفريقيا، وأميركا الجنوبية، وآسيا، ويبقى قطبها الأصلي منطقة الشرق الأوسط، أي: إن غزو العراق، وتحدي إيران، وحرب لبنان الأخيرة بدمارها المتعمد والشامل، ثم الدخول على خط دارفور بالسودان، بإحلال قوة دولية بدلاً من الإفريقية، تعد مواجهات بين الصين والغرب، بذرائع وأهداف بعيدة.

الرئيس السوداني يرفض مثل هذا الوجود الغربي، وخلفه الصين وروسيا، تؤيدان هذا الموقف؛ لأن انتقاص سيادة وطن - مهما كان حجم المشكلة، وإعلان وصاية عليه، تتعهدها بريطانيا وأميركا، من خلال مجلس الأمن - قد يصبح هذا قاعدة للتدخل في شؤون دول أخرى، وهو ما رفضه البشير، وعجزت عنه أمريكا أن يكون بديلاً، أو حاجزاً بين الكوريتين.

مناطق التوتر العالمي أخرجت أميركا من طور الدولة القادرة على خلق أمن عالمي، إلى حروب وشكوك بصدق نواياها، وبريطانيا كحليف يعيش عقدة الزعامة القديمة تحاول أن توفرها - نفسياً - من خلال الاتكاء على القوة الأميركية. والأخيرة تتصرف بحماقات الدول الاستعمارية القديمة، التي جعلت من عقيدة السلاح قوة غزو وردع، السمة الأساسية لسلوكها..

هناك بؤر متعددة لانتشار الإرهاب، الذي توضع مكافحته على رأس أولويات أميركا، فبعد التفجيرات، والتخفي وراء تنظيمات سرية، جاء دور تصدير تقنية الأسلحة، بما فيها التقليدية؛ التي أفرزت شكلاً جديداً من الحرب المفاجئة في لبنان، ثم إن تعاون إيران مع كوريا الشمالية، وتعهدات روسيا بالتزامات بناء مفاعلات نووية في إيران تطويرها، ورفض اتخاذ قرارات في مجلس الأمن تعارضها روسيا والصين، مقدمات لتطورات أشمل وأعقد، لأن انغماس أميركا في حروبها الطويلة، جاء لمصلحة من تعدهم أعداء التاريخ والمراحل المقبلة.

أيضاً ومن منطلق شرعية الحرب، وفقاً لقاعدة مراكز النفوذ، أو مكافحة الإرهاب، فإن الإدعاء بأن دارفور قد تكون إحدى هذه القواعد، يجعل مليشيات المحاكم - التي برزت أخيراً في الصومال - قد تكون ثقباً جديداً في موقع حساس، ربما يخلط أوراق الأمن المتصدع بين أثيوبيا والصومال، أن يجعلهما النفق الجديد لحرب تدخل أمريكا طرفاً متورطاً فيها..

حروب النيابة والانغماس فيها، صور جديدة تضع أميركا أمام مشكلات في غاية التورط، وهذا ما يجعل دولاً تنافسها - راغبة، أو داعية - لأن تصبح حلقة الصراع مع العالم؛ لأن أميركا التي تريد حماية نفوذها من قوى صاعدة، قد تخرجها عن دائرة العلاقات المنسجمة مع العالم، إلى المتورطة فيها عن قصد، أو عن حماقة..