أن يعزف الإعلام الإسرائيلي واللوبي اليهودي العالمي لحن «الصهيوني الطيب والعربي الشرير» فذلك أمر طبيعي، ويدخل في دائرة الدعاية الرخيصة والفجة، لكن ان يردد البعض من المثقفين والسياسيين والإعلاميين العرب صدى هذا اللحن، ويعربون مفرداته، فهذا أمر مثير للسخرية والرثاء في آن واحد ويدل على حالة الانحطاط التي يعيشها هؤلاء المخدوعون، ان حسنت النوايا، أو الممسوخة شخصياتهم،المستأجرين أو المتطوعين- لا فرق- في حرب غسل الأدمغة ان أردنا الاقتراب من الحقيقة العارية.

فمنذ ان سكتت المدافع في جنوب لبنان، انطلقت أبواق الترجيف على استحياء، في البداية سعت حثيثا للتشكيك في انجاز حزب الله التاريخي، وتصوير ما جرى من مقاومة أسطورية على انه انتحار، وفشل ذريع، في وقت كانت الصحف الإسرائيلية ومازالت تنبش في سجلات ويوميات الحرب، وتحمل عناوين تهزأ من فشل وانكسار الجيش أمام مقاومي حزب الله.

ولن يسعنا المجال،لاستعراض الاعتراف الإسرائيلي بحجم الهزيمة والخسارة العسكرية أمام حزب الله، فالإلمام بتفاصيله بحاجة إلى مجلدات، لكن ما يهمنا هو المغزى والدلالة، والمقارنة مع أحاديث الإفك التي ينفثها أفاعي الترجيف العربي، الذين يسدون آذانهم عن سماع اعتراف ايهود اولمرت أمام مؤتمر في حيفا بأنه المسئول عن إخفاقات الجيش، وهو تعبير لطيف بدلا من آخر جارح يعنى الهزيمة.

على ساحة التضليل وخلط الأوراق العربية، تصدمنا حقيقة ان البعض راق له، الخروج من قوقعة الصمت المريب طيلة أيام وليالي الحرب المفتوحة، وراح يردد باستخفاف مقيت «لحن الصهيوني الطيب والعربي الشرير» مغلفا بغلالة من الحكمة الزائفة، وأسئلة شيطانية مقتطعة ومعزولة عن سياقها التاريخي.

من هنا جاء حديث احد أمراء الترجيف في ساحة لبنان عن فداحة الثمن الذي دفعه لبنان لأجل كسر هيبة الجيش الإسرائيلي، وعن سلاح حزب الله، الذي كان يمكن ان يكون اشد فتكا لو كان تحت مظلة الجيش اللبناني والدولة اللبنانية،وعن خطأ المقاومة التي لم تخبر الحكومة بخطتها اسر الجنديين الإسرائيليين، وختاما عن ضرورة استعادة سلطة الحكومة والدولة،وإنهاء صفحة وجود مقاومة أصلا.

فلم يعد هناك من داع لها، ويكفى وجود ونشر قوات دولية«اليونيفيل» إلى جوار قوات احتلال إسرائيلي مازالت تتمركز في تسع مواقع.

ويطمس هؤلاء المرجفون حقيقة استجدائهم السفير الفرنسي في بيروت لتأجيل التحرك لاستصدار قرار وقف إطلاق النار، حتى يتمكن الصهيوني الطيب من القضاء على العربي الشرير، أو تدافعهم لإنقاذ قوات إسرائيلية وقعت في كمين المقاومة في مرجعيون، واستخدام 350 شرطيا وجنديا لبنانيا دروعا بشرية وقبل ان يحولهم الإسرائيليون إلى أسرى، على غرار جزاء سنمار.

يتصل بحديث التشكيك في أهمية صمود المقاومة تساؤل احد المرجفين عن: لمن يهدي حزب الله انتصاره، لسوريا أم لإيران؟ وهدفه ترديد اللحن الصهيوني وتمرير اتهام مبطن لا يقوى على توجيهه مباشرة، يدمغ المقاومة بخوض حرب بالوكالة عن كل من إيران وسوريا.

وبالتالي يفقد الانتصار وهجه ومعناه، ويصبح حرثا في البحر، بل يمكن وضعه في خانة الخروج على الولاء الوطني وتعريض أمن لبنان للخطر، دون مبرر، طالما ان الجار الصهيوني طيب، يكتفي باحتلال مزارع شبعا، لمجرد حماية حدوده الغير معروفة حتى الآن، والمتروكة لاحتمالات التوسع.

صحيح، ان الطيران الحربي الإسرائيلي ينتهك أجواء لبنان على مدار الساعة، وينفذ بين الحين والآخر عمليات خاصة من خطف واغتيال، لكنه «قتل مستهدف» له تبريره عند أمراء الترجيف، ولا يواجه بأي إدانة عربية أو دولية، مثلما هو الحال في فلسطين حيث اغتيل أكثر من 200 فلسطيني في غضون شهرين، وفى لبنان خلال الحرب شنت أكثر من15 ألف غارة جوية على 7 آلاف هدف.

دمرت 12 ألف منزل، ومدارس ومستشفيات وجسور ومطارات ومرافئ بحرية ومنافذ برية، لكن كل هذا يتحمل مسئوليته في نظرهم حزب الله، الذي تحول إلى متهم عندما امسك بزمام المبادرة في إعادة النازحين إلى بلداتهم وقراهم، ودفع لهم تعويضات ومساعدات معقولة.

وزاد البعض منهم، بإثارة أسئلة افتراضية عن جدوى عودة النازحين أصلا،وغمز احدهم في مصدر الأموال التي تدفع للمتضررين وقال «الضرع السوري الإيراني يدرحليبه لحزب الله» وكأن المطلوب من المقاومة ان تستجدى اللوبي اليهودي الأميركي «ايباك» لإغاثة المتضررين وإعادة اعمار ما دمره الصهيوني الطيب!

لا يتوقف خطاب الترجيف والتضليل عند حد، بل يضرب في آفاق المستقبل، وينتقى كلمات اقتطعت من سياقها أو مواقف جزئية، لرسم صورة شائهة للآتي من أيام العربي الشرير في لبنان أو فلسطين، أو العراق، الأقطار الثلاثة التي اختارها المحافظون الجدد لاختبار مشروعهم لشرق أوسط جديد، الذي أجهض في الحرب الأخيرة، وعاينت الوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس جنينه ميتا، واضطررت إلى بلع كلماتها الرنانة عن ميلاده المرتقب.

آخر هذه الترهات حديثهم عن اتجاه لبنان إلى ان يصبح «جمهورية إسلامية» واتهام الجنرال ميشال عون بأنه ممهد لها، بدعوته لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية،وزيادة في الإرهاب الفكري يعتبر ون ان كل من ينتقد قوى 14 مارس أو أيا من رموزها او يفتح أسرار التعاون مع إسرائيل مجرد محرض على اغتيالها، وهكذا يغلق باب الحقيقة نهائيا، ويتم التستر على كل الخطايا.

في مقابل الترهيب من العربي الشرير، تحتفي منابر المحافظين الجدد بـ «الفينيقى» الذي سيتم إحياؤه على ركام الرابطة العربية للبنان، ففي هذا الإحياء مصلحة جوهرية للصهيوني الطيب، الذي ينتعش وجوده ويزدهر في محيط طائفي.