وحدها الشعوب الحرة هي التي تستطيع تحويل المحن إلى منح.. فالمحن التي تواجه الشعوب في سبيل سعيها لنيل حقوقها وتأكيد كرامتها ونيل استقلالها الوطني وصنع الحياة الكريمة لأبنائها، تزيد من إصرارها وتفرز تصميمها وتزيد من وحدتها التي بها تحقق انتصارها، وهي أكبر منحة من السماء تتوج بها نضالها.
والمحن وحدها هي التي تزيد من وعي الشعوب بمن هم أصدقاؤها ومن هم أعداؤها، ومن هم الأحرار من حولها وبالتالي تمكنها من إضاءة طريقها لتحقيق أهدافها دون ضباب، والمحنة الأخيرة في لبنان، ومن قبلها المحنة في العراق وفلسطين، بقدر ما يدفع فيها من ثمن إنساني باهظ، ومن دمار مادي هائل وسط لهيب النار زادت من بلورة قيمة شعبنا العربي صاحب الجذور العميقة في الحضارة الإنسانية ومبلغ الرسالات السماوية إلى العالم كله.
إن شعباً عربياً له هذا الميراث الحضاري العريق، وهذا الرصيد القيمي العظيم، لا يمكن إخضاعه، ولا يمكن تذويب هويته العربية، ولا يمكن عزله عن عقائده الدينية، ولا عن ثوابته الوطنية والقومية، وإن شعباً عربياً له كل تلك الأسلحة الهائلة لقادر على النضال والمقاومة لتحقيق أمانيه الإنسانية على هدى رسالته الحضارية، ولنيل كل حقوقه الوطنية والقومية في الحرية والوحدة والتنمية والسلام.
وهو الشعب الذي يسعى من نضاله ومن حربه إلى تحقيق العدل وتحقيق السلام، وهو الشعب نفسه القادر على المقاومة وعلى الحرب والقادر على تحقيق النصر وعدم الاستسلام للهزيمة حتى تحقيق السلام القائم على العدل، وهو الشعب الذي ينبغي أن يكون وفياً لأصدقائه كما هو عصياً على أعدائه، وقد كشفت المحن التي واجهها الشعب العربي على يد أعدائه الصهاينة عن أصدقاء عديدين في العالم أيدوا نضاله، ودعموا صموده واتخذوا من المواقف السياسية والإعلامية والعملية ما شكل دعماً لأهدافه.
رأينا مع العدوان على العراق موقفاً فرنسياً وألمانياً وروسياً وصينياً رافضاً للعدوان بقوة بل ومندداً بعدم شرعية الاحتلال الأنجلو أميركي.. ورأينا مع العدوان على لبنان موقفاً إسبانياً وإيطالياً ويونانياً واضحاً وقوياً إلى جانب المواقف الروسية والصينية.. كما رأينا موقفاً ماليزياً وتركياً واندونيسياً وباكستانياً متميزاً في المنظومة الإسلامية وقوفاً ضد العدوان ودعماً للبنان.
وكان دائماً موقف دولة الإمارات المتميز الرافض بشدة للعدوان والمندد بسياسة إسرائيل والداعم بقوة وفاعلية للشعب اللبناني في محنته.
هذا طبعاً إلى جانب المواقف الإيجابية المتنوعة الدرجات سواء في دعمها الواضح للمقاومة كالمواقف السورية والقطرية والسودانية واليمنية، أو في رفضها الواضح للعدوان الصهيوني وللمواقف الأميركية المنحازة، كالمواقف المصرية والسعودية والمغربية الداعمة للبنان.
على أن أبرز المواقف القوية جاءت من أميركا اللاتينية من خارج العالم العربي والإسلامي والأوروبي حيث جاءت تصريحات ومواقف الرئيس الفنزويلي «هوغو شافيز» الذي سحب سفيره من تل أبيب مهدداً بخطوات أخرى وهو الموقف الذي لقي ترحيباً شعبياً عربياً وإسلامياً واسع على النطاق الشعبي، بينما جاءت زيارة الشيخ حمد بن خليفة أمير دولة قطر إلى لبنان لافتة لأنظار المراقبين باعتباره أول حاكم عربي يزور لبنان بعد انتهاء العدوان وبعد انتصار المقاومة.
وإذا كان انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان هو انتصار لكل لبنان ولكل القوى السياسية المناهضة لإلحاق لبنان بدوائر التبعية الأجنبية، وهو انتصار لكل الساعين بحق إلى استقلال لبنان وسيادة لبنان التي لن تتم إلا بتحرير أرض لبنان من الاحتلال الصهيوني، وبتحرير إرادة لبنان من محاولات التهديد والعنف والضغط والترويض، فإن هذا الانتصار نفسه.
كما عبر بذلك قائد المقاومة الإسلامية في لبنان حسن نصر الله يعتبر نصراً لكل من ساند لبنان ومقاومة لبنان ولكل من وقف مع المبادئ ضد العدوان الصهيوني على لبنان، وبالتالي فإن كل الذين وقفوا مع المقاومة، وعملوا من أجل وقف العدوان لبنانيين أو عرب أو مسلمين أو أوروبيين وأميركيين وأفارقه وآسيويين.. شعبيين أو رسميين، سياسيين أو إعلاميين هم شركاء في هذا النصر.
ومن حقهم أن يفرحوا به ويغيروا من نتائجه الإيجابية. من هنا أصدقاء الانتصار من حقهم الفرح والفخر، أما أصدقاء العدوان فواقعهم الخزي والعار. وتحية لكل الرجال الشرفاء البواسل الذين أهدوا العرب والمسلمين فرحة النصر.
mamdoh77t@hotmail.com