في حديث السيد حسن نصر الله مع «محطة نيو تي في» أكثر من نقطة جديرة بالتأمل لعل أبرزها قوله «إن قيادة الحزب لم تتوقع ولو واحد في المئة أن عملية الأسر ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم... ولو علمت أن عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً».
بيد أنه أكد أن قرار الحرب من جانب إسرائيل كان متخذاً ليكون في أواخر سبتمبر أو بداية أكتوبر، وأن ما عمله حزب الله هو مفاجأة العدو وأخذه على حين غرة، وبالتالي «فهو الذي وقع في الفخ وليس نحن» والكلام للسيد نصر الله.
وما يؤكد عنصر المفاجأة في عملية حزب الله في أسر الجنديين - وهو السبب المعلن للحرب- هو ما نقلته صحيفة الأوبزيرفر البريطانية(27/ 8) لحديث العقيد الإسرائيلي أمنون إيشيل، الذي - كما تصفه الصحيفة - كان له دور بارز في الحرب الأخيرة، حيث تذمر من رؤسائه واصفاً إياهم «بقلة اكتراثهم حيال قوات الاحتياط الذين لم يكونوا جاهزين لخوض المعارك».
موضحاً حالة الضياع والتردد في صفوف الجيش في تلك الأيام العصيبة والتخبط في خططه «فمن خطة إلى خطة ثانية وثالثة ورابعة.. لقد قمنا بالعديد من التغييرات في غضون 24 ساعة، والخلاصة أنهم - أي القيادة الإسرائيلية - لم يكونوا يعلمون كيفية الرد»!
ورغم أن قول السيد حسن نصر الله «أن لا جولة ثانية من الحرب مع إسرائيل» قد يفهم على أنه نوع من التطمينات لإسرائيل، إلا إن ما يعنيه - كما يفهم من سياق حديثه - أنه أراد من ذلك التأكيد على أن حزب الله لن يكون البادئ في إشعال الحرب.
وهو يمارس ضبط النفس ولن يستدرج إلى القتال رغم تحفظاته على القرار 1701، مؤكداً ما ذهب إليه أنه «ما دام هناك احتلال فنحن لدينا الحق في المقاومة، وإذا كنا حتى الآن صبرنا فليس معناه أننا سنصبر على طول الخط، ونحن نحتفظ بهذا الحق ويمكن أن نمارسه في أي وقت وبالتالي أنا - والحديث للسيد نصر الله - لا أعطي أي تطمينات لأي أحد». أما وجوده في الجنوب اللبناني مسلحاً - مع تجنبه للمظاهر المسلحة بالطبع - فهو نفي قاطع لتلك التطمينات.
ولن تكون في ظل هذه الأوضاع عمل قوات «اليونيفيل» سهلة بالذات مع الخروقات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار ورغبة إسرائيل في الانتقام واستعداد حزب الله للدفاع عن نفسه. يتساءل الجنرال مايكل روز، قائد القوة البريطانية في البوسنة والهرسك بين عامي 1994 و1995 في مقال نشره في الإندبندنت البريطانية(27/ 8) عما إذا كانت القوة ستتمكن من مواجهة أي خرق إسرائيلي لوقف الأعمال العدائية قائلاً:
«هل سيكون متوقعاً من قوة الأمم المتحدة أن تطلق النار على الإسرائيليين في حال خرقوا القرار 1701؟ بالتأكيد لا تستطيع!! أما إذا قامت بمواجهة حزب الله وحده، فستفقد أية شرعية لها في نظر الدول العربية والإسلامية»!!
ويضيف: «بما أن أغلبية السكان في الجنوب متعاطفون مع حزب الله، فسوف ينظر إلى القوة الدولية كقوة احتلال وحشية تقاتل نيابة عن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء مقاومة وطنية أساسها حزب الله، وسيدخل المقاتلون الأجانب - هكذا يكتب - وسيتحول لبنان بسرعة إلى شبيه للعراق وأفغانستان»!
ولا شك أن الوضع في الجنوب اللبناني لا يمكن فصله عن جواره الجغرافي، فكما كتبت هيلاري بن وزيرة التنمية في الحكومة البريطانية الحالية فإنه «لن يمكن إحراز تقدم في المنطقة على نطاق أوسع ما لم يتم إحراز تقدم في القضية الفلسطينية» (الرأي العام 28/ 8). وأغلب الظن أن العامل الحاسم في الوضع اللبناني هو الموقف السوري، ولعل من حسنات هذه الحرب إدراك الإسرائيليين لأهمية الدخول في مفاوضات مع سوريا بشأن مرتفعات الجولان المحتلة منذ حرب العام 1967.
وحسب جريدة الكرستيان سينس مونيتور الأميركية(25/ 8) فإن كل محاولات سوريا لإعادة المفاوضات حول الجولان قد ذهبت أدراج الرياح خلال السنتين الماضيتين، ذلك أن إسرائيل كانت تنظر إليها على اعتبارها دولة ضعيفة لا يمكنها بالضغط العسكري استرجاع أراضيها.
وهذا بالطبع هو منطق القوة، فأين الجيش السوري بمعداته القديمة وبتغير التحالفات العالمية بالذات انهيار الاتحاد السوفيتي من الجيش الإسرائيلي المجهز بأحدث التقنيات الحديثة والمدعوم من حليفه الولايات المتحدة الأميركية.
ولعل آخر حرب خاضها الجيش السوري مع الإسرائيليين كان إبان اجتياح لبنان في العام 1982 حينما فقد أكثر من ثمانين طائرة حربية دون أن تخسر إسرائيل شيئاً من طائراتها. وقد نبهت هذه الحرب الأخيرة - يقول مراسل الجريدة - الطبقة الحاكمة في سوريا إلى وجود أكثر من خيار للحرب التقليدية.
فطبقاً لسمير التقي، أحد مستشاري وزارة الخارجية ومدير دراسات الشرق الأوسط في دمشق، فإن «الحرب الشعبية هي الحرب الوحيدة الممكنة لتحرير الجولان منطلقها توليفة من الحماس الديني والقومي»!!
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com
