منذ أيام قمت بزيارة إلى بيروت الشامخة والصامدة كما عرفناها منذ أمد بعيد وراودني شعور من الإحباط الذي لم أشعر به من قبل خلال الزيارات السابقة إلى لبنان. هذا الشعور كان نتيجة بعض الدردشات مع العديد من الأصحاب والزملاء من الإعلاميين والأكاديميين وبعض العامة من الشعب اللبناني لا سيما في المطاعم وسائقي سيارات الأجرة.

باختصار لقد شعرت أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان قد خلقت نوعاً من الإحباط لدى اللبنانيين بالرغم من الانتصار العسكري غير المسبوق الذي أنجزته المقاومة ضد إسرائيل.

إنه التعب من الحرب والدمار والقتل الذي تقترفه إسرائيل ضد المدنيين اللبنانيين وضد البنى التحتية وضد المؤسسات العامة والخاصة. إنه التعب بل التعجب بأن يبقى الشعب اللبناني الوحيد يدافع عن الكرامة العربية ويقدم التضحيات الجسيمة في سبيل الصراع العربي - الإسرائيلي خارج أرض النضال المستمر في فلسطين المغتصبة.

هل يستطيع الشعب اللبناني الاستمرار في حرب غير متكافئة ضد إسرائيل بينما يقف العرب موقفاً متفرجاً كما هو الحال مع الشعب العربي المحاصر منذ عقود في فلسطين. ألم يحن الوقت لإحياء وثيقة الدفاع العربي المشترك ضد الأخطار الخارجية وتلك التي تسببها إسرائيل وتهدد الأمن القومي العربي بأكمله؟ أم أنه قدر الشعبين الفلسطيني واللبناني ان يقاتلا في سبيل الحرية والكرامة والعروبة ولا نرى من العرب إلا الشعارات والأشعار.

لم يقل الفلسطيني في يوم من الأيام وكذلك اللبناني أنه لا يريد المعركة والنضال والتضحية من أجل التحرير والعزة والكرامة وقدم من أجل ذلك الكثير والكثير من الأرواح والأموال والتضحيات الأخرى التي فاقت وتفوق كل الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي الذي قدمته الدول العربية. ولكن العربي في فلسطين ولبنان يتساءل عما إذا كانت المعركة ضد الصهيونية والدولة العبرية والاستيطان والتوسع الإسرائيلي والمشروع الغربي والشرق الأوسط الكبير والصغير والقديم والجديد هو يستهدف فقط الشعبين اللبناني والفلسطيني.

جميعنا نقر ونعترف بدون مزايدات ومبالغات أن المقاومتين في فلسطين ولبنان قدمتا مرات ومرات للشعب العربي نصراً عسكرياً ومعنوياً واستراتيجياً وتاريخياً ولا يستطيع العدو قبل الصديق والمعتدي قبل المناصر أن ينكر أو يستنكر المعارك المشرفة التي خاضتها المقاومة في لبنان وفلسطين.

ولا يجب أن ننسى العراق أيضاً وإن كنا نتحدث في هذا المقام عن الاحتلال الإسرائيلي، ضد الاحتلال الصهيوني المدعوم من القوى العظمى وكان آخر هذه المعارك «أم المعارك» التي خاضها حزب الله بكل ثقة وعزة وشرف.

ولكن هل يعقل أن يستمر الاحتلال الإسرائيلي في لبنان وفلسطين ويعلن عن وفاة العملية السلمية وتستمر المجازر في فلسطين يومياً ولا يفعل العرب ما هو مطلوب منهم وتستمر العلاقات الثنائية بين بعض الدول العربية وإسرائيل وبين العالم العربي وواشنطن دونما أي تغيير.

في هذا المقام استذكر عبارة هامة للبروفيسور الإميركي مايكل هادسون وغيره من الأكاديميين الأميركيين الذين عملوا أيضاً في الخارجية الأميركية أن واشنطن لن تغير من سياستها تجاه منطقة الشرق الأوسط مالم تشعر أن مصالحها مهددة وأنها قد تدفع ثمناً باهظاً إذا ما استمرت بنهجها تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي.

فالمطلوب إذاً استخدام العديد من عناصر الضغط والقوة التي تمتلكها الدول العربية لإحداث التغيير المطلوب في السياسة الأميركية ولا أحد يتحدث عن الحرب أو الإرهاب في هذا السياق على الإطلاق.

والحديث عن ضرورة استعمال وسائل الضغط العربية لإحداث تغيير في السياسة الأميركية لا سيما في هذا الوقت لأن القضية الفلسطينية كما نعرف جميعاً تشهد في هذه المرحلة فصولها الأخيرة بعد أن اختارت إسرائيل اغتيال عملية السلام وانتهاج سياسات أحادية الجانب مدعومة بشكل علني من جانب الإدارة الأميركية الحالية التي بقي لها مدة سنتين قبل انتخاب رئيس أميركي جديد وهنا يكمن الخطر المحدق.

إن هذه الإدارة بسياساتها المتأسرلة سوف تقدم كل ماتريده إسرائيل من تنازلات استراتيجية في سبيل إضاعة أية أمل لقيام الدولة الفلسطينية التي برأي العديد من المحللين السياسيين والاستراتيجيين لم يعد قائماً.

بل أكثر من ذلك نقول انه يجب الاعتراف بأن أي إدارة أميركية جديدة سواء كانت من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي لن تكون أفضل من سابقتها ما لم يتخذ العرب موقفاً واضحاً وحاسماً من القضية الفلسطينية وتبدأ التحركات الدبلوماسية العربية وغيرها في هذا الاتجاه.

أما الاستمرار بالحديث عن مجلس الأمن والأمم المتحدة وغيرها من الدبلوماسيات المضيَعة للوقت ستكون نتائجها خطيرة على مستقبل القضية الفلسطينية والعالم العربي لأن القناعة ترسخت لدى الجميع في العالم العربي وغير العربي بأن الأمم المتحدة أصبحت أداة مطياعة بيد الأميركيين والأوروبيين المتحالفين مع واشنطن.

قبل أيام شن رئيس البرلمان المصري أحمد فتحي سرور، هجوما غير مسبوق، أمام الاجتماع الاستثنائي لمكتب المجلس البرلماني الأورومتوسطي المنعقد في بروكسيل، ضد إسرائيل وحليفاتها، وعدوانها السافر على الشعبين اللبناني والفلسطيني.

ووجه انتقادات حادة الى الحكومات الغربية وصمتها الرهيب حول ما تقوم به اسرائيل من مخالفات عديدة واختطافها لعدد من الافراد في لبنان وفلسطين طوال الشهور الماضية بمن فيهم وزراء واعضاء برلمانات، وقال: »للأسف لم تتحرك حكومة غربية واحدة لادانة تلك الممارسات التي تعتبر انتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولي».

ما يرجوه المواطن العربي في شوارع بيروت والقدس وغزة ورام الله والقاهرة ودمشق والرياض والرباط وباقي العواصم والمدن العربية ألا يفقد الأمل في ضمان حياة كريمة وبكرامة وبدون احتلال مباشر أو غير مباشر حتى يلتفت إلى مثل باقي شعوب الأرض إلى التنمية والعلم والتنوير والتحديث وغيرها. لا ضيعوا منا الأمل في مستقبل حر ومزدهر.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com