لا تقتصر عملية الاستعداد للانتخابات المحلية والبرلمانية في أي مجتمع من المجتمعات على القوى والشخصيات الراغبة في خوض غمار هذه التجربة، بل إنها تمتد لاستعدادات الدولة بذلك، ليس فحسب من حيث الترتيبات اللوجستية، وإنما يمتد ذلك ليشمل الطرائق التي بها تستطيع الدولة تغيير موازين القوى وأمزجة الناخبين ولربما قد يشمل ذلك أحيانا تحديد الفائزين وطبيعة القوى الخاسرة.
والدولة في الكثير من الحالات، تمثل الطرف الأقوى القادر، بفعل كل الإمكانيات المتاحة لها كلاعب رئيسي، قادر على حسم عدد المقاعد التي من المحتمل أن يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك.
بمعنى أن الدولة وبفعل امتلاكها أغلب الأوراق الانتخابية من تحديد للدوائر الانتخابية وتنفيذها للقوانين المنظمة للانتخاب، بالإضافة لامتلاكها حق قبول أو رفض التنقل بالنسبة للمرشحين، وامتلاكها فوق هذا وذاك رصيدا بشريا كبيرا فإنها بذلك تمثل بحق اللاعب الرئيس في أية عملية انتخابية.
فهي القادرة في بعض الأحايين إن رغبت، في تغليب نفر على آخر أو في تفضيل فصيل عن آخر. والسلطة، حتى في الديمقراطيات العريقة، وبفعل امتلاكها للحكم، فإنها قد تفتعل الصراع مع معارضيها أو أن تضيق الخناق عليهم، في حدود الممكن والمتاح، أو قد تعبئ الشارع على بعضهم.
ألم تفعل السلطات البريطانية ذلك بحق النائب العمالي المعارض جالاوي، أوإنها، أي الدولة، قد توظف الرصيد البشري القائم في ترجيح كفة البعض على الآخر أو قد تستصدر التشريعات المقلصة للحريات المدنية، أو أن تحد منها بحجة مكافحة الإرهاب أو تحقيق الأمن، ألم تفعل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول، كل ذلك بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 حتى الآن.
إلا إن تحقيق كل هذا يبقى مع ذلك، محدود المدى في الديمقراطيات العريقة، بفعل ترسخ القيم الديمقراطية وتمثلها في الأنساق الثقافية الحاكمة للتوقعات والتوجهات والسلوك، وبالتالي ضعف إمكانية الانقلاب عليها في هذه المجتمعات وسهولته في الديمقراطيات الطرية العود وحديثة التكوين. وبالمقابل فإن القوى المعارضة في هذه الدول تتحين الفرص وأحايين الضعف للانقضاض على السلطة أو افتراسها.
وهي تتعامل مع المشهد السياسي وكأنها مالكة له ومسيرة لكل حيثياته. إلا أنه غالبا ما تأتي صناديق الاقتراع بنتائج قد لا ترغب فيها أو لمريديها، وغالبا ما تأتي صناديق الاقتراع بنتائج منافية لمسوحات استطلاع الرأي العام. فكم من حزب حاكم في الغرب ترك كرسي السلطة لآخر جديد أو قديم وكم نظام توارى عن الفعل في الحكم والسياسة، إما بفعل عامل داخلي أو بفعل سبب خارجي، فهذه هي سنة الحياة القائمة على التغيير والتبدل.
وهنا فإن المشهد الانتخابي المحلي لا يبدو مختلفا في خطوطه العامة عن هذا السياق أو بعضه، سواء أكان ذلك بالنسبة للدولة أو قوى المعارضة والموالاة. حيث تتعامل القوى والشخصيات الداخلة في المعركة الانتخابية وكأن فوزها محقق لا محال.
بل إن الكثير من القوى الرئيسية تتعامل مع الناخبين وكأنهم «رعاع» وأتباع لا رأي أو موقف لهم أو حتى نصف رأي. إذ تتعامل القوى الإسلاموية الثلاث الرئيسية في البلاد؛ حركة الإخوان المسلمين والسلف السنيتان وجمعية الوفاق الشيعية؛ التنظيم الجامع لأغلب فصائل الإسلام السياسي الشيعي، وكأن الفوز حليفها لا ريب فيه.
فمن القول عن مناطق مغلقة على بعضها دون الآخر، إلى القول عن أخرى مضمونة لها، إلى الحديث عن تنازل لآخر حليف في هذه الدائرة الانتخابية أو تلك.وهي في ذلك تتصرف وكأنها قد امتلكت الأرض بمن عليها، وأن الناس كل الناس لا رأي لهم إلا اتباع ما يصدر عنهم من أمر وقرار، وأنهم وحدهم قد جاءتهم الحكمة والمعرفة دون خلق الله وما على الآخرين إلا القبول بذلك.
إنها حالة من حالات الاختطاف؛ اختطاف الوطن واختطاف الطائفة. وهذا لا يأتي إلا عن خطاب شمولي، تحت غطاء قومي أحيانا وآخر في غطاء ديني أو مذهبي ولربما أحيانا أخرى قبلي. وتشهد أروقة هذه التجمعات صراعا عنيفا بين الراغبين منهم في خوض الانتخابات المحلية والبرلمانية المقبلة، ولا تبدو أن معايير الكفاءة والمعرفة مقدمة على المعايير الذاتية والانتماء الأيديولوجي.
من هنا فمن غير المتوقع أن تدعم هذه المنظمات أفرادا لا تبدو عليهم علامات الأسلمة السياسية في أشكالها ومسمياتها التنظيمية المختلفة. فمن كان غير قادر على تحمل عبء الأمانة والعمل في السابق هل سيكون قادرا على تحملها بعد ذلك، ومن فشل في أدائه السابق فهل سينجح في أدائه اللاحق.
كاتب بحريني