قد يبدو أن العنف اليومي في العراق، لا جديد فيه. فالبلد ينزف منذ أكثر من ثلاث سنوات. التردي الأمني صار وجبة يومية. الموت ساكن في حياة العراقيين ومقيم في بيوتهم. قصف الاعمار والعنف العبثي والخراب المتواصل؛ كله بات حالات روتينية. والقوى نفسها، الداخلية والخارجية والاحتلالية، تواصل نهشها للبلاد، التي تكاد أن تتحول إلى ما يشبه الهيكل العظمي.

صورة نمطية باتت راسخة في الوعي العام. والانطباع السائد، تبعاً لذلك، أن الأحداث الدموية اليومية، صارت بمنزلة تحصيل الحاصل؛ لا أكثر ولا أقل. لكن ما حدث في الآونة الأخيرة من تطورات نوعية يشي بأن الأوضاع ليست بهذا التبسيط ولا بهذا التكرار الجامد. فالمنحى الذي أخذته ينذر بل يهدد بالأعتى والأدهى. من المؤشرات:

ـ ارتفاع عدد الضحايا والعمليات، بصورة مخيفة. لأول مرة يسقط أكثر من 3800 قتيل في شهر واحد، يوليو الماضي، ـ وصول المطاردات والاغتيالات، على الهوية، إلى المستشفيات بحيث يصار إلى سحب المرضى من فراشهم وقتلهم رمياً بالرصاص، ـ والأخطر من كل ذلك ما حصل في الديوانية. فلأول مرة يحصل اشتباك بين قوات الأمن العراقية وميليشيا مسلحة؛ يسقط خلاله عشرات القتلى.

والمؤرق أن المواجهة هذه وقعت في ظل ظروف وبالترافق مع أنباء تفيد بأن العملية لم تكن من النوع العارض؛ بل على العكس قد تكون مقدمة أو بداية لمواجهات مكررة؛ بين الجهتين! وتزداد الخشية من كون أن أحداث الديوانية جاءت في أعقاب «مؤتمر مصالحة العشائر العراقية»، الذي شدد في بيانه الختامي على «تحريم سفك الدم العراقي» خاصة على الهوية. وكأنه لم تكن هناك مصالحة ولا من يحزنون.

يضاف إلى ذلك أن الحكومة تعتزم إجراء تعديل وزاري وشيك؛ مع التشديد على حل الميلشيات. مما يوحي بالربط بين الاثنين وبنية التعويل على المعالجة الأمنية لهذه الحالة.

طبعاً دولة وميليشيات لا يتعايشان. فلا يستقيم الحديث عن ضرورة ضبط الفلتان الأمني؛ مع وجود سلاحين فوق الساحة، لكن ذلك يختزن، في ذات الوقت، مجازفات ومخاطر؛ وذلك في ضوء ظروف العراق وتعقيدات أوضاعه الأمنية والسياسية. وخصوصياتها. لاسيما وأن المشكلة، في صميمها، سياسية، ومعالجة السياسة بالأمن كشفت عن عقمها، في العراق كما في غيره.

الحصيلة المثمرة ومصلحة العراق تقضيان التسلح بالحذر، خاصة وأن الحديث عن انفجار حرب أهلية دامية وواسعة؛ بات يتردد أكثر من ذي قبل في أوساط عسكرية وإعلامية وسياسية؛ وبالذات أميركية.

لقد أثبت مؤتمر مصالحة العشائر، قبل أيام، أن القواسم المشتركة بين مكونات الشعب العراقي؛ ما زالت قائمة وراسخة. كما أن اللغة المشتركة بينها قائمة ومتواصلة، وكلها عوامل أساسية ينبغي الركون إليها لبناء وتعزيز جسور الثقة، وبما يساعد على التضامن لقطع دابر العنف العبثي ووقف النزف المذهبي والأمني والأهلي قبل أن يستفحل ويبلغ نقطة اللا عودة.

فالمشهد العراقي يقف على مفترق خطير ويهدد بوقوع المحظور، ما لم يحصل الاستدراك من أجل تعطيل محاولات العبث بمصير البلد والعمل في ذات الوقت على تعزيز عناصر لحمته.