المتابع لعملية الدعاية الانتخابية التي تشهدها الساحة الوطنية التي تندرج في إطار الاستحقاق الديمقراطي المتمثل في الانتخابات الرئاسية والمحلية المقرر إجراؤها في العشرين من سبتمبر القادم، لا بد وأنه سيجد حماسة غير معهودة في الحديث عن قضايا محددة يتم التركيز عليها إما بدافع المكايدة السياسية أو بهدف خلق حالة من التشويش حول سقوف العملية الانتخابية وإظهار عملية التنافس وكأنها مجردة من أية ضوابط قانونية.

فاللافت في هذا الجانب أن الخطاب الانتخابي، مع الأسف الشديد، قد جنح نحو التنابز وتبادل الاتهامات على نحو يؤشر إلى أن هذا الخطاب مرشح للدخول في منعطف من المشاحنات والجدل الذي يكسر حدود المسموح به قانوناً، ليدخل زوايا أخرى غير مأمونة الاحتمالات والنتائج، وهي مسألة ينبغي أن يتنبه لها الجميع لما من شأنه الحفاظ على الطابع السلمي للعملية التنافسية والحيلولة وانجرارها إلى زوايا التصعيد الذي يثير نوازع العنف أو بواعث التوتر بين أوساط أبناء المجتمع الواحد أو تفاقم الخلافات بين صفوفهم.

وعليه.. فإذا كان الاختلاف والتباين في الرؤى والتوجهات أمراً طبيعياً في ظل التعددية السياسية والحزبية، فإنه من غير المستحسن أن يتحول هذا التباين إلى أداة يستخدمها كل طرف لتبرير امتلاكه للحقيقة أو الصواب وإعطاء نفسه الحق في إطلاق الأحكام على الآخر، بغض النظر أين يكون موقع هذا الآخر في السلطة أو المعارضة، حزبياً أو مستقلاً. مرشحاً أو ناخباً.

إذ أن مثل هذا التعامل هو بالمعنى المتعارف عليه من الناحية السياسية والديمقراطية يعبر في جوهره عن مضمون شمولي لا يتماشى مع منطق الديمقراطية التي تستند في محدداتها إلى تنوع الرؤى والخيارات، ولا مجال فيها لاحتكار الحقيقة وادعاء امتلاكها.

وما يتوجب إدراكه أن الاختلاف والتفاوت يجب أن يكون حافزاً لتعزيز مسارات العملية الديمقراطية وإكساب ممارساتها ثراء الوعي وديمومة الرسوخ، وليس عائقاً يتحول فيه أطراف السباق الانتخابي من ضوابط الالتزام بقوانين اللعبة الديمقراطية وقيم التنافس الشريف لكسب ثقة المواطنين في صناديق الاقتراع.. وهو التنافس الذي يقوم عادة على البرامج والأفكار ذات الصلة بتطلعات وهموم الجماهير والامتثال لحقها في الاختيار وذكائها الفطري في عملية الفرز والتقدير لمن يستحق أن تصوت له.

وبالتالي فلسنا بحاجة إلى تسخين العملية الانتخابية بخطاب دعائي يتم فيه تبادل الاتهامات والإساءات وعبارات الجدل التي تصور مع الأسف الشديد تجربتنا الديمقراطية بصورة نمطية تختصر التنافس الانتخابي في نقاشات جانبية، ومفاهيم متباينة تخضع في تقديراتها للخطأ والصواب.

بل إن اختزال مرحلة الدعاية الانتخابية لمثل هذه النقاشات فيه تجنٍ كبير على المكانة المتقدمة التي باتت تتبوأها تجربتنا الديمقراطية، إن لم يكن في ذلك إجحاف بحقيقة الوعي الذي يتمتع به أبناء الشعب اليمني، الذي نعتقد أنه ليس بحاجة إلى من يرشده إلى مصلحته التي يتوخاها في هذه العملية الانتخابية، فالحكمة يمانية وستظل هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وفي ضوء كل ذلك، علينا أن نسأل أنفسنا كيف نجعل من استحقاقنا الديمقراطي القادم أكثر استجابة وتأقلما مع حاجات التطور التي نتطلع إليها في المستقبل، في الوقت الذي نحافظ فيه على تقوية تماسك صفنا الوطني وأن لا نجعل التنافس الانتخابي يقودنا إلى منزلقات التباعد والانجرار وراء الأهواء الحزبية الضيقة والانغماس في متاهات التشكيك في بعضنا البعض .

باعتبار أن الحزبية هي وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، وأن المصلحة الوطنية والحفاظ على استقرار الوطن وأمنه وسلامته أكبر من كل الأحزاب، وقبل أن نجيب على ذلك السؤال، نقول إن من باب الطموح للوصول إلى الأفضل هو من يفرض علينا استشعار مسؤولياتنا وتغليب روح التنافس الشريف والالتزام بالمقاصد النبيلة للعملية الديمقراطية .

وغاياتها المثلى واحترام إرادة الجماهير التي تعتبر مفتاح الأمان والضمانة الأكيدة لتكريس مبدأ التداول السلمي للسلطة وصون سلامة الوطن باعتبار ذلك ثابتاً مصيرياً بالنسبة لكل اليمنيين.ومن الصواب أن نتنافس في البرامج وليس بالمناكفات وتبادل التهم التي تنبعث منها عوامل التوتر ونوازع الخصام.