ليس من المبالغة في شيء القول بأن الجولة التي يقوم بها الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان الان والتي تشمل كلا من لبنان والاراضي الفلسطينية المحتلة وسوريا وايران واسرائيل هي من اكثر الجولات التي يقوم بها عنان في المنطقة.
ولعـل الاهمية التي تكتسبها هذه الجولة ترتبط ليس فقط بما يمثله كوفي عنان باعتباره الامين العام للامم المتحدة التي تحمل على عاتقها عبء العمل لتحقيق السلام والامن الدوليين والحفاظ عليهما بكل السبل الممكنة.
ولكنها ترتبط كذلك - أهمية الجولة - بطبيعة وابعاد الظروف والتطورات الدقيقة التي تمر بها المنطقة الان وما قد تشهده من تفاعلات نتمنى ان تكون داعمة لتوجهات السلام والاستقرار في المنطقة.
وفي الوقت الذي تتزامن فيه جولة الامين العام للامم المتحدة في المنطقة مع الجهود المتواصلة للدفع بالقوة الدولية المعززة في اطار اليونيفيل لتتولى مهامها في جنوب لبنان، وليعجل ذلك بفك الحصار الاسرائيلي غير المبرر والمجحف بلبنان الشقيق.
فانه من المأمول ان تفتح جولة عنان ومحادثاته التي اجراها في بيروت الطريق الى تنشيط عمليات اعادة الاعمار في الجنوب اللبناني، والذي لايقل عن ذلك اهمية هو دعم الاستقرار وترسيخ الهدنة القائمة التي يعول عليها لبنان كثيرا.
خاصة وان القوى اللبنانية المختلفة بما فيها حزب الله تبدي تفهما واستعدادا كبيرين للتعاون مع الحكومة اللبنانية لتحقيق هدف انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان وتمكينه من القيام بدوره وواجبه في فرض سيطرة الدولة اللبنانية على كامل ترابها الوطني.
من جانب آخر فان محادثات الامين العام للامم المتحدة مع المسؤولين الفلسطينيين ومن قبلها مع المسؤولين الاسرائيليين ينبغي ان تصب في اطار العمل من اجل اعادة تنشيط عملية السلام مرة اخرى.
واذا كانت اسرائيل قد عمدت الى دفن عملية السلام وخارطة الطريق تحت ركام المنازل المهدمة والمزارع الفلسطينية المدمرة والمركبات المحترقة في شوارع الضفة الغربية وقطاع غزة بفعل الصواريخ الاسرائيلية، فانه من المنتظر ان تمهد محادثات عنان خلال جولته الراهنة لاعادة الروح لعملية السلام في الشرق الاوسط خاصة وان هناك الان مقترحات فرنسية اعلنها الرئيس الفرنسي جاك شيراك بشأن تفعيل اللجنة الرباعية مرة اخرى.
يضاف الى ذلك نقطة هامة تتمثل في انه في الوقت الذي قررت فيه الدول العربية عرض قضيتها وطرحها مرة اخرى امام مجلس الامن الدولي في الفترة القادمة، فان الرئيس الفلسطيني قد يطرح رؤية فلسطينية لاعادة تنشيط عملية السلام مرة اخرى خلال الدورة القادمة للجمعية العامة للامم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل.
ولعل محادثات عنان تدعم ذلك حيث تتطلع كل شعوب المنطقة الى السلام العادل والدائم لبناء حياتها ومستقبلها حسبما تراه مناسبا لها.
على صعيد آخر فان زيارة كوفي عنان لكل من دمشق وطهران تحمل الكثير من الاهمية الرمزية والسياسية كذلك، خاصة وان كلا من سوريا وايران تؤكد على اهمية وضرورة التعامل في اطار الشرعية الدولية وبما تقتضيه المواثيق والمعاهدات الدولية سواء فيما يتعلق باستعادة الجولان المحتل.
او فيما يتصل بالبرنامج النووي الايراني وحق ايران في امتلاك التقنية النووية السلمية وتوفير الضمانات التي يراها المجتمع الدولي والتي تتفق أيضا مع معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية والبروتوكول المكمل لها الخاص بالتفتيش على الانشطة النووية التي تتم في اطار المعاهدة.
وفي ظل التطورات التي تمر بها المنطقة الان، فان جولة عنان قد تضع النقاط على الحروف بالنسبة لعدد من الامور التي تفرض نفسها الآن سواء على صعيد عملية السلام في الشرق الاوسط أو على صعيد الجدل حول البرنامج النووي الايراني، خاصة وان هناك بالفعل مؤشرات ايجابية تلوح في الافق.