بينما حرب العدوان على أشدها في لبنان اتخذ مجلس أمن الأمم المتحدة القرار 1696 الذي يلزم إيران «بوقف كل الأنشطة المتعلقة بالتخصيب والتكرير، بما في ذلك الأبحاث والتجهيزات وبالشكل الذي يسمح لوكالة الطاقة الذرية بالتحقق من ذلك». وتقدمت مجموعة الدول الوسيطة 5+1 ( أعضاء مجلس الأمن الدائمين+ ألمانيا) بعرض يحمل لإيران الجزرة والعصا.

الجزرة : في حال وقفها الفوري وغير المشروط لبرنامجها النووي ستحصل إيران دون مقابل على مفاعل يعمل على الماء الخفيف، ومساعدة في تطوير صناعتي الطيران والسيارات، وكذلك جملة من الامتيازات الاقتصادية، بما في ذلك مجال الطاقة النووية والاستثمار الاقتصادي في مجالات أمنية.

العصا: في حالة عدم وقف هذا البرنامج حتى 31 أغسطس يدرس مجلس الأمن بموجب المادة 41 من الفصل السابع لنظام الأمم المتحدة فرض عقوبات اقتصادية ضد إيران شاملة أو جزئية، تمس مواصلات السكك الحديد والبحرية والبريدية والتلغرافية والراديو ومختلف وسائل الاتصال الأخرى، وقطع العلاقات الدبلوماسية.

سمت إيران يوم 22 من هذا الشهر موعداً للرد. وهذا اليوم يصادف اليوم الأخير من شهر مرداد حسب التقويم الفارسي القمري. هل اختار الرئيس الإيراني هذا اليوم لأنه كان على علم مسبق بأن الحرب في لبنان ستلقن الأميركيين والإسرائيليين دروساً ينطلق هو من واقعها، أو انطلق من تصورات خاصة (كالارتباط بمراحل القمر وأوقات السعد فيها)، أم لحسابات مرتبطة مباشرة بالجدول الزمني لتطبيق البرنامج النووي ؟

يبدو أن الأخير هو الأرجح. ففي 22 أغسطس أعطت إيران ردها الدبلوماسي الذي لا يزال المعنيون يفككون رموزه، بينما بقية العالم لا تعرف تفاصيله.

ويعتقد المحلل الاستراتيجي رجب سفاروف أن إيران اشترطت عدم نشر تفاصيل الرد قبل بدء المحادثات الجدية بشأنه، وإلا اعتبرت إيران نفسها في حل منه. وفي 26 أغسطس أعطت إيران رداً آخر، عملياً هذه المرة، عندما افتتح الرئيس الإيراني في أراك مصنعاً سينتج مع عام 2009 الماء الثقيل، الضروري للمفاعل، وبهذا ستتضاعف كميات الماء النظير المنتج في إيران لتصل إلى 16 مليون طن سنوياً. والمفاعل قادر نظرياً على إنتاج البلوتونيوم القابل للاستخدامات العسكرية.

هذا الرد العملي يحتمل بدوره أحد تفسيرين: الأول، أن إيران ماضية في برنامجها النووي مرتقية به إلى مراحل جديدة، وأن أية مفاوضات سيرحب بها على هذه القاعدة فقط، الثاني، أن مادة اليورانيوم (محور الجدل القائم) ستتراجع لصالح البلوتونيوم كأساس لإنتاج الطاقة النووية في إيران، وأن التفاوض ربما سيجري على هذه القاعدة. وسواء شكل هذا التطور (أو التحول) في البرنامج النووي الإيراني تعقيداً لعملية المفاوضات أو العكس فإنه يعيد المحللين إلى أصل المشكلة النووية الإيرانية.

في قلب طهران يوجد أحد أهم المشاريع النووية التي يجري فيها العلماء تجاربهم السرية. أميركا هي التي بنت هذا المشروع في الستينات وزودته باليورانيوم الضروري لتشغيله ضمن استراتيجية «الحرب الباردة» دعماً للشاه كحليف ضد الاتحاد السوفييتي. كتب سام روي في «شيكاغو تريبيون» الأميركية قبل أيام أنه بعد قيام الثورة الإسلامية وتحول أميركا وإيران إلى عدوين بقي هذا المشروع شاهداً على أن حليف اليوم قد يصبح عدو الغد.

ومنذ ذاك رفضت أميركا تزويد إيران باليورانيوم المخصب لعمل مفاعلها. أما إيران فبدأت مع الوقت شراء هذا الوقود من الأرجنتين. لكنه قليل التخصيب لدرجة تجعله غير صالح للأغراض الحربية، لكنه كاف لتشغيل المشروع، ولا يزال يشغله حتى اليوم. وبالرغم من أن بعض المسؤولين الأميركيين لا يعطي أهمية كبرى لهذا المفاعل البحثي من الناحية العسكرية، إلا أن آخرين يعتبرونه مهماً لدرجة تأكيدهم بأنه سيكون مستهدفاً في حالة الحرب.

هذا المفاعل هو الذي وضع أساس البرنامج النووي الإيراني. لكن البرنامج اليوم يشتمل على عدد من المشاريع الأخرى. فعلى مدى العقود الماضية حصلت إيران على دعم في المجال النووي من أطراف عدة، بما في ذلك من روسيا ومن السوق السوداء بفضل تعاون أبي القنبلة النووية الباكستانية عبد القدير خان. كما بنت الصين مفاعلاً نووياً في إيران.

وإذ تغمز روسيا من باب أن أميركا لم تشعر بتأنيب الضمير يوم زودت إيران بالمفاعل النووي واليورانيوم العالي التخصيب، عندما كان ذلك يخدمها سياسياً، فكأن موسكو تؤكد تمسكها بمشروع بناء محطة توليد الطاقة الذرية في بوشهر الذي تبلغ قيمته 800 مليون دولار.

الملفت أن وفداً زار موسكو الأسبوع الماضي برئاسة نائب رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد جنتيان بهدف التفاوض مع شركة « أتوم ستروي إكسبورت» بشأن الجدول الزمني لتشغيل هذه المحطة.

من الصعب معرفة كيف سيكون موقف روسيا والصين في نهاية المطاف. الأرجح أنهما لن تقبلا بفرض العقوبات أو استخدام القوة. وقد صرح الممثل الرسمي للخارجية الروسية ميخائيل كامينين «أن روسيا ستواصل نهجها في البحث عن حل سياسي تفاوضي حول البرنامج النووي الإيراني، وستسعى للحفاظ على دور وكالة الطاقة الذرية وعدم السماح بتمييع نظام عدم انتشار الأسلحة النووية».

وفي الوقت نفسه ذكرت «نيزافيسيمايا غازييتا» الروسية استناداً إلى مصادرها الدبلوماسية أن موسكو على استعداد للتصويت إلى جانب فرض الحصار وفق المادة 41 بشأن فرض العقوبات، لكنها ضد المادة 42 بشأن استخدام القوة». أما الصين فلا يزال موقفها أكثر وضوحاً باعتماد المفاوضات ورفض أية عقوبات.

إذا استطاعت أميركا تذليل مقاومة روسيا والصين فستكون العقوبات باسم الأمم المتحدة. وإذا لم تستطع فستكون العقوبات أميركية، بمشاركة عدد من البلدان الأوروبية. ومنذ الآن أصبح معروفاً أن أميركا، بموافقة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تسعى لفرض عقوبات مالية ضد إيران (لاحظوا أن لذلك علاقة وثيقة بمعادلة النفط - الدولار كما كتبنا سابقاً).

وفي حين تستعد إيران لأسوأ الاحتمالات كما تبين مناوراتها العسكرية الشاملة، فإنها تبدو في موقع لا بأس به أمام مفاوضيها لعدة أسباب. أولاً، اخترقت إيران جبهة المفاوضين حتى قبل أن تبدأ المفاوضات، فروسيا والصين أميل لإيران.

ثانياً، بلير وشيراك في آخر عهديهما الرئاسيين. ثالثاً، لا أحد من المفاوضين يشارك أميركا نزعة الحرب.

رابعاً، أميركا تزداد توغلاً في الوحل العراقي. خامساً، وهو الأهم، نتيجة الحرب في لبنان رفعت معنويات إيران وضربت هيبة الأميركي والإسرائيلي. في هذا الوضع يفترض ألا تلجأ واشنطن لشن عدوان عسكري. وإذا ما فعلت فلن تجد حليفاً غير الإسرائيليين، الذين تجلس حكومتهم على كف عفريت.

السؤال: ما الذي سيغلب، معطيات الواقع هذه، أم نزعة الحرب المودعة في الإدارة الأميركية الحالية ؟

ما تحتاجه إيران في هذا الظرف، وكل ظرف، هو جبهة وطنية داخلية قائمة على الاعتراف بحق المعارضة السياسية في تقرير مصير البلاد، والتسامح الديني والاعتراف بحقوق كل القوميات المكونة لها وإطلاق الديمقراطية الحق. ما لم يحدث ذلك فإن خطر الداخل أشد من الخارج، بل هو ما يعول عليه الخارج.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com