دعوة الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط؛ كانت أهم ـ إن لم تكن الأهم ـ ما حمله خطابه الشامل، أول من أمس، أمام الجسم الدبلوماسي الفرنسي، وتكمن أهميتها في كونها تمثل عودة إلى الأولويات؛ كما إلى التذكير بأن المعالجة الجذرية لقضايا المنطقة الملتهبة، لابد وأن تبدأ من المشكلة الأساس التي لن يتوفر الاستقرار المنشود من دون التعاطي معها ووضعها على طريق الحسم.
ويأتي هذا التذكير في وقت حجب فيه دخان الحرائق الأخرى المشتعلة في المنطقة، مجريات التدهور الذي تشهده الساحة الفلسطينية؛ جراء مواصلة إسرائيل لعدوانها اليومي عليها والمتصاعدة وتيرته قتلاً واغتيالاً وتدميراً؛ في غزة والضفة.
اغتنمت إسرائيل فرصة انشغال المنطقة والعالم بعدوانها على لبنان، كما تمعن في سياسة المطاردة والانتقام والتخريب؛ ضد الشعب الفلسطيني، إشارة الرئيس شيراك تعيد الأمور إلى نصابها، لاسيما وأنه شدد على ضرورة «اجتماع سريع للجنة الرباعية»، وفي ذلك توكيد على وجوب العودة إلى الأصل وبسرعة، وهو مصيب في تشخيصه عندما أضاف قائلاً بأن «جمود عملية السلام كان من أسباب حرب لبنان» الأخيرة.
كما في هذا التشديد نخز للجنة الرباعية كي تستيقظ من سباتها؛ بعدما وضعت الملف الفلسطيني على الرف. ولا نشك أن الرئيس شيراك يدرك، كغيره، بأن عزوف اللجنة وما يشبه استقالتها من مهمتها؛ كان نتيجة لفتور إدارة الرئيس بوش ورغبتها في تلزيم هذا الملف لحكومة أولمرت؛ كي تنفرد في التصرف بمقتضياته.
وبناء عليه فإن الدعوة لإحياء العملية السلمية تنطوي على الحث لتجاوز هذا العزوف ولاستدراك واستباق المزيد من التدهور؛ في الأراضي المحتلة والمنطقة. «فالأعمال الحربية قد تستأنف» في لبنان، إذا تعذر التوصل إلى «حل شامل ودائم» بين كافة الأطراف في المنطقة، تحذير صريح أطلقه الرئيس شيراك؛ في كلامه هذا، والآن على الأطراف المعنية الأخرى التحرك في هذا الاتجاه.
على اللجنة الرباعية نفض الغبار عن أوراقها. كما على الدبلوماسية العربية التقاط دعوة الرئيس الفرنسي لتزخيمها ودفعها إلى صدارة الاهتمامات الدولية، لكن الذي لا يقل أهمية عن هذا وذاك هو أن يتلقى الوضع الفلسطيني هذه المبادرة التجديدية الفرنسية كرسالة تحفزه على وجوب الإسراع في ترتيب بيته الداخلي وبما يؤهله لاستثمار هذا التحريك وتوظيفه لخدمة مصالحه الوطنية.
وغني عن القول أن ذلك يستدعي، بداية تكثيف الجهود الجادة وبما يمكنها من تجاوز العقبات والحسابات الضيقة؛ من أجل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، التي كثر الحديث عنها وطال أمد التشاور بخصوصها.
فالساحة الفلسطينية تعرف من تجاربها الغنية، بأن مواجهة الظروف والتحديات الراهنة لا تستقيم طالما بقيت المناكفات والخلافات السياسية على حالها، خاصة وأن من مصلحة الفلسطينيين تذليل كافة الانقسامات الداخلية، ومهما اقتضى الأمر وفي هذه اللحظة بالذات لدفع الدعوة الفرنسية كمدخل لتعزيز دور أوروبي بقيادة فرنسية، في عملية السلام لوضع حد لاحتكار واشنطن لها.