أحدث العدوان الإسرائيلي على لبنان هزة عنيفة، إن لم تكن ضربة قاضية، للمنظومة السياسية العربية أو ما يصطلح على تسميته بـ «النظام الرسمي العربي»، خاصة في المراحل الأولى للعدوان الذي امتد طوال ثلاثة وثلاثين يوما من القتل والتدمير الوحشي وغير المسبوق.
ورأى البعض في عدد من المواقف والتصريحات التي أعقبت وقف المعارك، انتكاسة إضافية لهذا الجسد المعتل منذ أمد بعيد وبشكل يكاد يصبح مزمنا! بينما رأى آخرون انه كان على الأمين العام لهذه المنظومة (جامعة الدول العربية) أن يعلن وفاتها رسميا، بدلا من إعلان موت «عملية السلام» التي ولدت ميتة أصلا ولم تكن كل المحاولات السابقة لإحيائها، أو الإيهام بذلك، سوى جهود ضائعة للتحنيط ثبت أنها غير قابلة للنجاح.
ورغم ما يزخر به الواقع الراهن من معطيات قد تدعم هذه الرؤية المتشائمة، إلا أنها تبدو مبالغة في القسوة على هذا الجسم العربي الذي لا احد ينكر وهنه وتدهور حالته المرضية، لكنه لا يزال على قيد الحياة، بل وتصدر عنه قرارات وتوصيات مهما قيل عن جدواها وفاعليتها فمن الصعب إنكار وجودها، إلا إذا افترضنا أن هناك نزاعات غير معلنة بين الورثة من أبناء هذا «النظام»، بالنسب أو بالتبني، تؤجل إعلان الوفاة وتدفع إلى التحدث باسمه في غيبوبته.
لكن الشواهد الماثلة تقول إن المجلس الوزاري للجامعة العربية استطاع عقد ثلاثة اجتماعات في فترة قياسية، اثنان منها خلال فترة العدوان والثالث بعد أيام من هدوء الجبهة العسكرية. ورغم أن اجتماع القاهرة الأول (15/ 7) عجز عن التوصل إلى قرار محدد، إلا أن الاجتماع الثاني الذي التأم «بشكل طارئ» في بيروت (7/ 8) عبر عن تضامنه مع الشعب اللبناني، بينما أقر اجتماع القاهرة الثاني (20/ 8) دعم لبنان في إعادة الإعمار على أن تحدد صيغ هذا الدعم «لاحقا».
صحيح أن هذه الاجتماعات والقرارات إما جاءت متأخرة أو مؤجلة النتائج، لكن مجرد حدوثها يدل على انه ما زال هناك نبض حياة، وان كان لا ينفي خطورة العلة إلا انه، على الأقل، يؤكد عدم حدوث الوفاة.
وهذا النبض المتبقي، على علاته، يبدو انه لا خيار أمام الدول العربية سوى العمل على «تحريضه» وتعزيزه، ليس فقط من اجل المصالح المشتركة بين هذه الدول، والتي يفترض أنها هدف جماعي لها، وإنما لمصلحة كل دولة على حدة، والأسباب عديدة. أول هذه الأسباب انه لم يعد ممكنا لأي دولة في عالم اليوم، مهما كانت قوتها وقدراتها، أن تحقق مصالحها الخاصة بمعزل عن شركائها الإقليميين أولا وعن الواقع الدولي المحيط بها ثانيا.
كما أن توسيع التعاون الإقليمي بين الدول العربية يمنحها تأثيرا أكبر ومساحة أوسع للحركة والمناورة، من أجل تحقيق مكاسب خاصة بها أو مشتركة مع غيرها، أو لدفع أضرار قد تستهدفها وحدها أو مع شركائها، في عالم لا يعترف إلا بحق القوة ولم يعد فيه مكان لقوة الحق. أما السبب الثالث، وربما الأهم، فهو أن العالم الخارجي وخاصة قواه المؤثرة.
يتعامل مع العرب كجهة واحدة، رغم كل الخلافات والانقسامات الموجودة بينهم، والتي كان لتلك القوى دور كبير في زرع أسبابها وتعزيز استمرارها، بل ورفدها بأسباب جديدة كلما أحست بشيء من التقارب أو مجرد الهدوء النسبي في العلاقات بين الدول العربية.
ورغم أن الدول العربية مجتمعة تتحمل مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع والقبول باستمراره، إلا أن حجم المسؤولية يختلف باختلاف إمكانات وقدرات كل دولة ومستوى علاقاتها وتأثيرها الإقليمي والدولي.
والإمكانات المقصودة هنا ليست المادية أو العسكرية فحسب، بل تشمل أيضا الموقع الجغرافي والتأثير المعنوي (أو الروحي) والكفاءات البشرية والعمق التاريخي، وكل العوامل والعناصر الأخرى التي يمكن أن تضيف إلى الرصيد الكلي لأي دولة في أي مكان في العالم.
لكن، بالتأكيد، هناك دول عربية محورية بحكم توفرها على هذه العوامل أو بعضها أكثر من غيرها، وبالتالي ينتظر منها، وفقا لهذا المعيار، أن تكون أكثر حرصا على التكامل العربي وسعيا لتحقيقه وصيانته، سواء في ما بينها (ثنائيا أو ثلاثيا أو أكثر من ذلك) أو بينها وبين الدول العربية الأخرى، ومن ثم مع دول الجوار غير العربية، خاصة الإفريقية والإسلامية.
ومع أن هذا التوجه يعتبر بديهيا وأساسيا في العلاقات الدولية، إلا انه بالنسبة للدول العربية لم يعد مسألة اختيار يمكن الأخذ بها أو إغفالها، وإنما ضرورة ملحة لمواجهة التحديات القائمة وتلك المحتملة، والتي لا بديل عن مواجهتها جماعيا، رغم كل العراقيل والعقبات.. بل ورغم كل شيء.