في سعيها لتمهيد الطريق أمام المشاريع الاستعمارية الجديدة في الشرق العربي الإسلامي، يبرز هدف التقسيم والتفتيت والفتنة كأحد الوسائل الرئيسية لإضعاف هذا الشرق، وبالتالي مرور ما يراد فرضه على شعوب هذه المنطقة دون قوة وطنية، أو قومية، أو إقليمية قادرة على التصدي لإدارة القوى الكبرى.
ومنذ التقسيم الأول للأمة الإسلامية وللوطن العربي في إطار مناطق النفوذ الاستعماري الذي جرى رسم خطوطه بين بريطانيا وفرنسا في معاهدة سايكس بيكو.. في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما نتج عنها من الخريطة الحالية المهشمة في الوطن العربي إلى 22 جزءا يمثلون 22 دولة بدلاً من دولة واحدة كانت قبل الحرب ذات سيادة واحدة.
واصلت القوى الاستعمارية القديمة الجديدة السير في مشروع التقسيم والتفتيت والفتنة، لتجزيء المجزأ وتفتيت المفتت بعد الحرب العالمية الثانية بزرع القاعدة العسكرية الإسرائيلية في قلب هذه المنطقة لتكون أداة هذه القوى كعصا غليظة لإرهاب دول المنطقة، وكغرفة عمليات متقدمة لهذه القوى لتنفيذ مخططاتها المشبوهة.
ومن هنا كانت فلسطين هي محور الصراع في الشرق كله العربي والإسلامي من جهة والصهيوني الإسرائيلي المدعوم أميركياً من جهة أخرى، وبقيام الدولة الصهيونية على أربعة أخماس أرضها، أصبحت فلسطين هي أرض الاحتلال والمقاومة، وهي أرض تصادم المشروعين العربي الإسلامي التحرري التوحدي النهضوي من جهة، والمشروع الصهيوني الاستعماري التدميري التقسيمي من جهة أخرى.
ومع الصمود والمقاومة ورفض الخضوع للمشروع الصهيوني من جانب الشعب الفلسطيني من خلال انتفاضاته ومقاومته بدعم من الشعب العربي بهدف إنهاء العدوان والاحتلال ومع تعثر المشروع الصهيوني في فلسطين، جاء احتلال العراق تحت مبررات كاذبة، ودعاوي زائفة أكثرها مدعاة للسخرية هي تحرير العراق، ونشر الديمقراطية، وتأكيد حقوق الإنسان.
كان الهدف هو فتح ثغرة في جدار الرفض العربي لمشاريع الهيمنة، أو ممر في جبل الصمود الشعبي العربي والإٍسلامي لمخططات الاستعمار التي تتخذ من إسرائيل أداة لفرض الإذعان عسكرياً، وتحقيق التفتيت والفتنة سياسياً على امتداد المنطقة بقرار ودعم أميركي.
وجاءت الحرب العدوانية الصهيونية على لبنان ضمن مخطط عدواني أميركي إسرائيلي تكشف بعد العدوان، يهدف إلى القضاء على المقاومة في لبنان وإخضاع لبنان ليكون ممرهم إلى تنفيذ مشروعهم الاستعماري بعد فشلهم في العراق بعد فلسطين، ظناً منهم أن لبنان هو أضعف الحلقات العربية، لكن بسالة المقاومة فاجأتهم وأفشلت من جديد خطتهم.
ومع أننا ندرك أن القوى الاستعمارية الصهيونية لن تسلم بالهزيمة وستحاول من جديد بدعاوى زائفة جديدة، وبمبررات قد لا تقنع إلا السذج والذين وجدوا مصالحهم مع أرباب هذه المشاريع المشبوهة، فتح ثغرة في جدار الرفض العربي أو شق ممر لمؤامرتهم في جبل الصمود العربي سواء عبر سوريا، أو عبر المحاولة في جبهات أخرى مثل الصومال أو السودان.
فإنه من المفيد أن ندرك أن الشعب العربي الذي كشف أقنعة أعدائه وعرف من هم أصدقاؤه ومن هم المنافقون الدوليون والمحليون والإقليميون من خلال ما جرى ويجري في فلسطين من عدوان ومن إجرام ومن انتهاك لحقوق الإنسان، وكذلك في العراق وفي لبنان سيكون قادراً بمقاومته ووعيه وإيمانه بحقه في الحرية والحياة هزيمة مخططات أعدائه.
إن مخطط الإضعاف المعادي والذي يستهدف تمرير المشاريع الاستعمارية المشبوهة من خلال عدة وسائل أصبحت مكشوفة في وعي الشعب العربي، جرب المتآمرون بعضها في بعض أجزاء الوطن العربي والإسلامي في مراحل مختلفة ولأهداف فرعية خدمةً للهدف الرئيسي وهو أن تكون إسرائيل هي القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة، وإجهاض قيام أية قوة إقليمية عربية أو إسلامية.
نجحوا أحياناً وفشلوا غالباً والدليل هو استمرار المقاومة في فلسطين وانتصار المقاومة في لبنان.. نجحوا حين غاب وعي العرب قادة أو شعوبا بحقيقة أهدافهم التي تختفي وراء شعاراتهم المعلنة، وحين انزلقت القوى الوطنية إلى المواجهة والفتنة، وحين تعثر العمل القومي المشترك وضعف التضامن العربي بفعل الخلافات السياسية بين الدول العربية.
وفشلوا حينما ارتفع وعي القادة والشعوب بأهداف أعدائهم الخفية، وتحملوا مسؤولياتهم في تأكيد وحدتهم الوطنية عبر الحوار الوطني للتوصل إلى صيغة لوفاق وطني يواجهون به مخططات إثارة الفتنة وتحريك المواجهة الأهلية بين القوى الوطنية.
وفشلوا حينما أدرك العرب قادة وشعوبا أن الوحدة القومية هي الدرع الأقوى للوحدة الوطنية لكل بلد عربي وأن إحداهما ليست بديلاً عن الأخرى، وأن وقفة عربية موحدة حتى لو لم تكن واحدة هي السلاح الأقوى للردع وللرفض ولتحقيق قدرتهم على فرض بعض شروطهم ولنيل بعض حقوقهم.
ومن هنا فإنه لا سبيل لمواجهة هذه المشاريع إلا بالوحدة، الوطنية والقومية، وإلا بطرح المشروع العربي الإسلامي التوحدي المناهض ليكون الشرق كما يريده الشرقيون لا كما يرسم مخططاته الصهاينة.
mamdoh77t@hotmail.com