المسرح الجيوسياسي في العالم وكذلك في الولايات المتحدة الأميركية مر بحالة مزرية خلال أشهر الصيف الجاري في ضوء ما يحدث في لبنان وإسرائيل وفلسطين.

أما وضع الاقتصاد العالمي فهو مختلف. فالآن هناك حالة من الاستغراب والاندهاش تسيطر على الساحة الاقتصادية في العالم.

هل نحن نمر بمرحلة من تسارع وتيرة التضخم يرجع سببها في الأساس إلى الاضطراب الحاصل في عمليات تصدير النفط من فنزويلا ونيجيريا وألاسكا والشرق الأوسط؟ أم أننا ننحدر تدريجيا نحو نوع من الركود في الولايات المتحدة الأميركية ودول الإتحاد الأوروبي وشرق آسيا؟

الخبراء مختلفون في ردهم على هذين السؤالين. والاختلاف بينهم طبيعي بلا شك. فالبيانات الاقتصادية الواردة تتأرجح بشكل لا يمكن توقعه بين التفاؤل والتشاؤم. لقد استمتع رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بين برنانكي بما يمكن وصفه بشهر عسل أثناء الأشهر الستة التي قضاها في منصبه حتى الآن.

ففي العلن تبنى الرجل سياسة «استهداف التضخم» وهو الأمر الذي لم يقدم عليه أبدا سلفه البراغماتي ألن غرينسبان. ويرى برنانكي أن هذه السياسة ستوضح بشكل صادق لكل من وول ستريت ومين ستريت ما يدور بخلد سلطات البنك الاحتياطي الفيدرالي وما تنوي تلك السلطات القيام به. ويؤمل أن يضيف هذا الإجراء بشكل أو بآخر إلى مصداقية بنكنا المركزي.

هل كان غريبا إذاً أن يوقف الاحتياطي الفيدرالي أثناء فترة تزايد معدلات التضخم في العالم سواء فيما يتعلق بأسعار سلع الطاقة أو السلع الأخرى- هل كان غريبا أن يوقف في شهر أغسطس الزيادة السابعة عشرة على التوالي في معدلات الفائدة الرسمية لدينا، فبدلا من التوضيح للشعب هنا وفي الخارج ماذا ستكون عليه سياسات الاحتياطي الفيدرالي في المستقبل فإن ما قام به الاحتياطي الفيدرالي أخيرا يبدو أنه قد أربك من يناقشون القضية حاليا.

فنصف خبراء وول ستريت يتساءلون ما إذا كان برنانكي سيكون«لينا حيال التضخم». والنصف الآخر يخشى من إمكانية أن يكون موظفو الاحتياطي الفيدرالي الأفذاذ لديهم ملكة الاستشعار المبكر لأخبار سيئة حول ضعف اقتصاد مين ستريت.

إن اقتصاد أميركا ليس وحده الذي يعاني حالة من الاضطراب. فمرحلة الانتعاش التي انتظرتها اليابان طويلا تمر في الفترة الأخيرة بحالة فواق. كما تراجعت الطفرة التي حققها الاقتصاد الألماني . (فلا يوجد سوى الصين والهند اللتان استمرتا في معدلات النمو الهائلة، الأمر الذي يزيد من ارتفاع أسعار النفط وندرة المعادن وفي الوقت ذاته يقلص من الفرص الوظيفية المتاحة في الأماكن ذات الدخل الأعلى).

لن أقوم بتوجيه أول هجوم على العالم الاقتصادي برنانكي. فالحيطة العقلانية تقتضي أن نقف وننتظر ونرى في الفترة الحالية، فإذا نال ما يقوم به من مبادئ استهداف التضخم، فليكن الأمر هجوما. فعندما يحدث تضخم وركود فإن الوصول إلى تسوية مؤقتة للوضع يمكن أن يكون قرارا وجيها. لماذا ؟ لأن الرجوع بمستويات الأسعار العالمية إلى ما كانت عليه عندما كان سعر برميل النفط 30 دولارا بدلا من 75 دولارا يمكن أن يتسبب في ارتفاع معدلات البطالة بشكل ملموس بل ومفرط.

هل هذا يعني وجود حاجة ماسة إلى الإبقاء على معدلات الفائدة منخفضة بشكل يفتقد الحكمة عندما تضعف معدلات إجمالي الناتج المحلي؟

إذا كان من الممكن افتراض أن أسعار النفط سترتفع بمعدل 15% في العقد الواحد مستقبلا بسبب ارتفاع الطلب والتراخي في عملية المواجهة من قبل البنوك المركزية، فإن مثل هذا التراخي سيكون جريمة.

على الجانب الآخر، ففي أكتوبر 1987، عندما تسببت حالة الهلع التي اجتاحت وول ستريت في انخفاض أسعار الأسهم بشكل دراماتيكي، فإن رئيس الاحتياطي الفيدرالي وقتها ألن غرينسبان لم يتبن سياسة «تراخي حمائمية» عندما سبح عكس التيار وسمح بتوسيع عمليات القروض بشكل كبير. مثل تلك السياسات التي تبناها غرينسبان كان يمكن لها أن تجنب العالم فترة الكساد العظيم في الثلاثينيات، بل وكان من الممكن لها أيضا أن تجنبنا الحرب العالمية الثانية.

نحن الآن نعيش في قرن جديد. فتلك الشعارات التي هي على شاكلة «الالتزام بالمعيار الذهبي» أو « تجميد معدل نمو الاعتمادات المالية» أو «اعمل دائما على المحافظة على معدل التضخم عند 2 % إلى 5,2% سنويا» - مثل تلك الشعارات لا يمكنها أن تكون بديلا لتبني سياسة مرنة تُستخدم من أجل التخفيف من الارتفاعات والانخفاضات الحادة في مستوى الأسعار وفي مؤشرات الإنتاج الحقيقي.

في عالم لا يمكن التيقن من أحداثه كهذا الذي نعيش فيه لا يمكن أن نتوقع ألا يخطئ البشر، ولكن ما يمكن أن يأمله البشر هو تجنب الإصرار على الخطأ بدافع العند والتعنت.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»