يحتاج الإنسان في حياته إلى أن يقتطع من وقته جزءا يخصصه للراحة والاستجمام والترفيه، وهذا شيء أساسي لا يمكن إسقاطه أو إهماله أو التقليل من أهميته وتأثيره في حياة الناس. فكل الدراسات الحديثة في الطب والصحة النفسية تشير إلى ضرورة الاهتمام بهذا الجانب في حياتنا، وعدم إهماله أو نسيانه تحت ضغط العمل والمسؤوليات الكثيرة المتراكمة.

وهو أمر حرص على بيانه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام؛ إذ أخبرنا أنّ لأجسادنا علينا حقا، وحثنا على عدم إهمال حظ القلب من الرعاية، فإن في ذلك شحنا للطاقة وشحذا للهمة في مواصلة العبادة والعمل الدؤوب المثمر.

وإذا كان هذا الأمر من ضرورات الحياة في العصور القديمة المنصرمة فإنه في زمننا هذا أشد حضورا وأكثر أهمية وتأثيرا؛ فالحياة المعاصرة ترزح بالضغوط الكثيرة، وتسير على وتيرة متسارعة توقع المرء فيها تحت تأثير الكثير من الأعمال والمسؤوليات والواجبات التي لا يسعها الزمان ولا المكان ولا الجهد مهما كثر وطال.

حتى ان المرء ليشعر بأنه في سباق مع الوقت والأشخاص والآلات. وهو سباق بلا نهاية يقف عندها ولا أفق ينتهي إليه. وفي هذا الخضم المتلاطم من الأعمال والأعباء تغدو الحاجة إلى الراحة والترفيه مطلبا مشروعا، وحقا أساسيا لا يمكن لنا أن نتنازل عنه أو نفرط فيه.

وإذا تأملنا قليلا حياتنا المعاصرة وجدنا أنّ الترفيه من المجالات التي طالها مفهوم التحديث والتطوير، فأصبح اليوم صناعة لها أصولها وفلسفتها ووسائلها الكثيرة المتنوعة. وإننا نرى ونسمع كل يوم عن أشكال جديدة للترفيه لم نكن نعرفها من قبل ولم نألفها، ولكنها تدخل حياتنا بلا استئذان أو قيود، مما يجعل المرء يشعر أحيانا بالحيرة، فيقع في مشكلة عدم القدرة على الاختيار بين كل ما تقدمه له صناعة الترفيه الحديثة.

لقد غدا الترفيه أساسيا في حياة كثير من الناس بعد أن كان هامشيا قليل الحظ في حياة أجدادنا والقدماء الذين لم يترك لهم شظف العيش وصعوبة الحياة مجالا للتمتع بوقت طويل من الترفيه والتسلية والراحة؛ فقد كانوا يقضون جل نهارهم وبعضا من ليلهم في العمل المتواصل الدؤوب، لا يكلون ولا يملون، بل يجدون في العمل متعتهم ولذتهم.

حتى إذا حان وقت السمر والراحة كان لهما طعم آخر؛ إذ تصبح الراحة بعد التعب مطلبا جميلا ينتظره المرء بفارغ الصبر ليلذ به ويسعد، وتغدو التسلية ملاذا مسعدا مؤنسا يضفي على اليوم الشاق الطويل مسحة من مرح حقيقي يستقر في وجدان الإنسان، ويصل إلى أعماقه ليفرحها ويضحكها من قلب يفيض محبة وصفاء وطهرا.

وإن كان الترفيه في الماضي ترفا لا يناله الإنسان إلا لماما فإنه ـ كما أشرنا ـ غدا في أيامنا هذه أساسا وضرورة تعادل الضرورات المهمة في الحياة، بل إن كثيرا من الناس أصبح يبحث عن الترفيه في كل مظهر من مظاهر الحياة، فإن لم يجده تبرّم وأبدى الضيق والانزعاج.

ونحن نرى هذا النوع من الناس في مواقف كثيرة؛ إذ لا يميّز أمثال هؤلاء الناس بين المواقف التي تتطلب بذل الجهد والتركيز والعمل الجاد الدقيق، والمواقف التي تخصص للراحة والمرح والتسلية. فكل المواقف عند هؤلاء سواء، وهي كلها يجب أن تشتمل على ما يفرح ويسر، بغض النظر عن الاختلاف الشاسع في طبيعة كل منها ومتطلباته وشروطه.

إننا نلاحظ ـ لكثرة انتشار فكرة الترفيه في حياتناـ أنها أصبحت تؤثر على نمط التفكير عند كثير منا، وعلى سلوكه، ومتطلباته، ونظرته إلى الحياة بعامة.

وقد انتقل هذا الأمر إلى الأجيال الشابة من أبنائنا وبناتنا، فغدونا نراهم يطلبون التسلية في كل الأنشطة التي يمارسونها في حياتهم، حتى في الأنشطة التي لا مكان للترفيه فيها ولا معنى. إنّ هناك نمطا من التربية الخفية يسيطر على الكثير من الأسر في مجتمعنا.

وهو أكثر قوة وأعمق أثرا في تكوين البنية الفكرية التي ينطلق منها معظم شبابنا. وهذا أمر يستدعي الوقوف عنده والتفكير فيه مليا، فكثير من الإنجازات والأنشطة تحمل في طياتها وجها سلبيا يغفل الكثيرون عن خطره وأثره السيئ على المجتمع على المدى البعيد.

إنّ جيل الشباب من أبنائنا يحتاج الكثير من التوجيه والعون والحوار الصادق الذي يحترم وجهات نظرهم ويحاول أن يهيئ الظروف الجيدة لبناء فكرهم وشخصياتهم بناء يقوم على مبادئ وثوابت يجب ألا نقلل من شأنها و ألا نتناساها؛ فقد أصبح المرء يرى عددا ليس بالقليل من هذا الشباب الواعد يسير في دروب تنأى به عن جادة الطريق، وتسهم في تشكيل فكره تشكيلا يقوم على تحبيذ الكسل والبحث عن التسلية في كل شيء، حتى في العلم والعمل اللذين يتطلبان جدا وجهدا وتفانيا.

ولا ينال طالبهما مراده منهما إلا بالتعب والشقاء والتضحية بالراحة والسعادة الوقتية الزائلة. وأذكر هنا مقولة لأستاذ سأله أحد طلابه إن كانت متابعة المسلسلات الأجنبية ستساعده على تحسين لغته الإنجليزية فقال له: إن كان التعليم هو ما تطلبه فلا مكان إذن للترفيه والتسلية.

يجب عليك أن تبذل جهدا حقيقيا لتتعلم، وأين الجهد الذي ستبذله وأنت تتابع المسلسلات؟ وهذا ما نلاحظه كثيرا في قاعات الدرس عند كثير من طلبتنا الذي يبدون تضجرهم وتبرمهم إذا كلفوا بعمل أو بقراءات إضافية أو بحث صغير في موضوع من الموضوعات.

وهذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة لتربية تحاول أن تتحرى كل ما من شأنه أن يفرح الأبناء وأن يدخل السرور على قلوبهم وأن يسليهم ويرفه عنهم، حتى في المواقف التي لا تتوافق مع طبيعة التسلية ومتطلباتها.

إننا نحتاج أن نساعد أبناءنا على فهم حقائق الأشياء ومتطلباتها بحيث لا تختلط الأمور عليهم ولا يقعون فريسة الاستمتاع بالحصول على مبتغاهم بوسائل كثيرة سهلة تعتمد على أن نرفه عنهم في كل شيء، ولا تربيهم على تقديس العمل وتقدير الجد والاجتهاد.

وهذا لا يعني بالطبع نبذ مظاهر الترفيه في حياتنا أو منعها أو التقليل من شأنها. إنّ التوازن في التربية أمر عسير صعب لكنه مطلب ضروري أساسي نحتاج أن نسعى إليه بكل الوسائل الممكنة. وكما قالت العرب قديما «لا تُنال الراحة إلا بالتعب، ولا تدرك الدعة إلى بالنصَب».

وإنه لجميل حقا أن نذيق أبناءنا طعما آخر للسعادة: طعم الوصول إلى الهدف بعد الكدّ والسهر والعمل المخلص الصادق، «فالفرح الأكبر هو فرح الإنجاز».

جامعة الإمارات