كالعادة وبعد كل حرب أو عملية تخريب تقوم بها إسرائيل فى المنطقة العربية، تتجدد المحاولات والمساعى الرامية الى بعث الروح فى عملية السلام، دون النظر الى المفردات الحقيقية التى جعلت من هذه العملية شبحاً من اشباح الماضى.
يغفل البعض او لعلهم يتغافلون عن تداعيات أي حدث مهم يخلق بالضرورة آفاقاً جديدة يجب التعاطى معها دون اغفالها لصالح اجندة قديمة عفا عليها الزمن.
واذا كان احتلال العراق، ومن قبله انهيار عملية السلام مع الجانب الفلسطينى ومن بعدهما العدوان الاسرائيلى على لبنان، لم تنجح حتى الآن فى اجبار العرب على تغيير اجندتهم والنظر بوعى الى المستجدات على الساحة العربية والاقليمية، وايضا الدولية، فإننا لا شك مقبلون على ملهاة حقيقية.
والحديث هنا عن المحاولات الامريكية الرامية الى إحياء أو ترميم - إذا صح التعبير - عملية السلام دون الرجوع الى الآفاق الجديدة التى خلفتها تلك الأزمات، خاصة على صعيد الداخل العربى بين الحكومات والشعوب.
حتى الآن مازالت السياسة الامريكية مفتونة بمشاهد الاخراج فى هوليوود، حيث يجئ الرجل الامريكى لنشر العدل وهزيمة الأشرار فى نهاية كل فيلم، ولكن هذا الأمر على أرض الواقع يتبدل تماما وربما تكون النتائج عكسية.
واشنطن الآن باتت معنية قبل غيرها باعادة تصحيح مفاهيمها الانسانية والثقافية والسياسية، ومؤخرا كشفت مراكز الأبحاث الامريكية ان الولايات المتحدة تخسر سياسيا منذ انتهاء الحرب الباردة وان جميع رهاناتها خاصة فى الشرق الأوسط فشلت أو فى طريقها الى الفشل.
إن الازدواجية باتت أحد أهم معالم السياسة الامريكية فى الشرق الاوسط، يصعب تجاوزها او التغاضى عنها.. إن العلاقة الأمريكية مع العالم العربي خصوصا والعالم الإسلامي عموما تتسم بالتوتر ويسودها كثير من عدم الثقة والريبة التي تصل لدرجة العداء، وينطبق ذلك لا على العالم العربي والإسلامي كدول فقط، بل يتعدى ذلك ليشمل الأقليات المسلمة في جميع أنحاء العالم بما فيها الأقليات المسلمة في الغرب نفسه.
وبدون الدخول فى التفاصيل، فإن الادارة الامريكية الحالية او غيرها من الادارات اذا كانت جادة فى إحياء عملية السلام، فان هذه المرة لن يكون عن طريق الجلوس الى طاولة المفاوضات والضغط على الجانب العربى لتقديم المزيد من التنازلات، ولكن يجب ان يكون هناك، أولاً تصحيح للمفاهيم الامريكية وإعادة بناء الثقة المفقودة، والادراك الجيد أن الطرف العربى ورغم ما ألم به من نكسات مازال يمتلك ارادة الصمود والتحدى.