من المؤسف حقاً أن الأمة في بداية القرن الحادي والعشرين تطرح قضايا تجاوزتها شعوب أخرى كانت تمر بنفس الظروف في العالم الثالث. إن ما يعانيه العالم العربي من فساد في وقتنا الحاضر أمر غير مقبول وغير مألوف، فشعوبنا قد انتشر فيها التعليم الحديث.
ولديها إمكانيات كبيرة بشرية واقتصادية تؤهلها للتطور، كما تتمتع بنخب ثقافية وسياسية جيدة، لكن المفارقة أن دولنا تعيش حالة من الفساد التي تحتاج إلى وقفة لدراستها ومعرفة دوافعها وظروفها ومدى تأثيرها، كما أن النخبة المثقفة تطرح بين الحين والآخر مسألة الإصلاح، ومجرد طرح الإصلاح فذلك يعني أن هناك فساداً وتخلفاً نريد علاجه بالإصلاح فما هي حكاية الفساد في عالمنا العربي، وماهي حكاية وصفة الإصلاح لأمراضنا المزمنة؟
الفساد هو انحراف عن الأصول والعدل والحق، والفساد موجود في كل المجتمعات وعبر كل العصور لكن ما يهمنا من إثارة هذا الموضوع أمران: الأول، ان الفساد قد أصبح ظاهرة في بعض مجتمعاتنا ولم يعد إشكاليات فردية، وانه أصبح جزءاً أساسياً في عملية التخلف التي تعيشها الأمة. الأمر الثاني، أننا في مرحلة من المفترض أننا تخطينا مرحلة التخلف ونعيش مرحلة التنمية وعلى عتبات الديمقراطية لذلك نطرح هذه المسألة الشاذة وغير الطبيعية في بلداننا في عصرنا، فما هي أسباب ظاهرة الفساد في العالم العربي؟
ولنبدأ بالسبب الأول المتعلق بالتربية التقليدية في الأسرة تحتاج إلى تغيير فهي غير ملائمة لتحل علينا التربية الحديثة بعد أن اكتسب الأب والأم قسطاً من التعليم فلم نر تربية بديلة أفضل على مستوى الأسرة، كذلك لم تعد المدرسة قادرة على غرس قيم تربوية نافعة للأجيال بل تخلت المدرسة حتى عن القيم التقليدية ولم تستبدلها بقيم جديدة بل بكم من المعارف يكتسبها النشء ويتخرج دون أن يمتلك التأسيس الأساسي ما عدا قلة لأسباب فردية وعائلية أو ثقافية استثنائية.
أما السبب الثاني، فهو من دون شك يتعلق بالنظام السياسي في بلداننا، فهذا النظام ماذا يريد؟ وما هي استراتيجيته؟ وان استمرار الفساد بمفهومه الشامل يعني عجزاً وأزمة في النظام، فهو صاحب القرار السياسي والاقتصادي والتربوي التعليمي بمعنى أن عليه دوراً أساسياً ومهماً في عدم وجود الفساد وأن وجوده ودوره أساسي في محاربته.
أما السبب الثالث، فهو ضعف الوازع الديني والوطني بسبب ثقافة هشة لعبت كل الأطراف دورها في ذلك الوهن، وهذا لا يبرئ المثقفين والمصلحين الذين لم يساهموا بفاعلية في مواجهة الفساد ومحاربته ولم يضعوه ضمن أجندتهم وبرامجهم بل انشغلوا بأمور أخرى ما عدا القلة منهم. ولعل هناك أسباباً أخرى ثانوية عدة.
والحديث عن الفساد كظاهرة يطرح موضوع حجم ظاهرة الفساد ومجالاته. لقد أصبح الفساد مؤسسة وثقافة، فالفاسدون ليسوا مجرد أفراد خارجين عن القانون والنظام العام ولديهم أزمة أخلاقية بل هناك مؤسسات وأنظمة فاسدة ترعى الفساد وتحميه وتدافع عنه. إن الفساد المالي والإداري في مؤسساتنا بلغ حداً خطيراً، فإذا كان سُرَّاق المال العام يستطيعون الهروب بسرقاتهم من دون محاسبة وبحماية قيادييين.
وإذا كانت الرشوة من قِبل البعض للناخبين في الانتخابات العامة تمر من دون محاسبة، وإذا كانت الرشوة تُدفع في مجال القضاء لتعديل أو تغيير بعض الأحكام، وإذا كان المال يُدفع لفاسدين يقومون بعمل الإقامات لمن لا يستحقونها أو للإسراع فيها حتى لو كانت على حساب الوطن وتخريب تركيبته السكانية وفي وضح النهار وتحت نظر السلطات، فإن ذلك يعني أن الفساد أصبح مؤسسة وثقافة في بلداننا تتطلب كشفها ومواجهتها.
إن الأمر لا يقتصر على الفاسدين بل إن فسادهم يساهم في فساد ذمم الآخرين، فهناك مثلاً راشٍ وهناك مرتشٍ وكلاهما فاسد.
وإذا أردنا أن نصنِّف أنواع الفساد فأولها وأساسها الفساد الإداري والفساد المالي في بعض دولنا، وفساد أخلاقي بين ما نقول وما نفعل، فالسرقات مستشرية وبعضها تُغطى بغطاء قانوني، إن الأزمات الأخلاقية في ازدياد وتصاعد: انتشار للمخدرات وتلاعب علمي في كل جامعة ومؤسسة، وانحرافات أخلاقية! ويقف ما يُسمَّى بالمثقفين يتفرجون على ما يجري، ويغرقون في جدل عقيم يُسمَّى ثقافة ومعارضة للأنظمة بينما هو خطاب يسعى ليكون بديلاً للنظام أياً كان خطابه وأيديولوجيته. كيف نتكلم عن النزاهة ومحاربة الفساد والرشوة منتشرة؟!
وقد يتساءل البعض عن أمثلة على هذا الفساد المزعوم: هناك رشوة في بعض مراكز الحدود العربية لإدخال الممنوعات وغيرها. هناك رشوة في منح الإقامات في دول مثل بعض دول الخليج العربية. هناك رشوة تُدفع لإنجاز المعاملات في المؤسسات والإدارات الحكومية. هناك رشوة تُدفع لشراء الأصوات في الانتخابات، وهناك رشوة (سمسرة) تُدفع في عقد الصفقات للمشاريع الحكومية، وهناك رشوة للقضاة والمحامين لتغيير وتعديل أحكام! وهناك رشوة وواسطة لإعداد تقارير طبية للعلاج الصيفي السياحي بالخارج، فهل يسأل أحد بعد ذلك عن أمثلة وهو يريد المزيد؟
ألا يترتب على ذلك الفساد آثار اجتماعية وسياسية واقتصادية؟ إنه من دون شك ستكون نتيجة استشراء واستمرار هذه الظاهرة ما يلي: ضعف لمقومات الدولة بتخريب ذمم وأخلاق الناس، كما تؤدي إلى هدر الإمكانية، كذلك ستؤدي إلى ضعف بنيوي يسهِّل عملية التدهور على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ويفتح المجال أمام الاختراق الخارجي، ثم ستترتب على هذا الفساد هزائم وانكسارات على أكثر من صعيد، وتقود تلك الظاهرة إلى انهيار أسس المجتمع والدولة.
وقد يرى البعض في ذلك مبالغة، لكن ندعوهم لقراءة التاريخ وتجربة الدولة العثمانية وتجارب أخرى قريبة تثبت ذلك. إن الفساد ليس عدم التقدم فحسب، بل تقويض لأسس المجتمع والدولة في الحاضر، أمة تمتلك كل الإمكانيات وتمتلك الفساد أيضاً.
كاتب كويتي