تتصل بي قريبتي المقيمة في الولايات المتحدة أسبوعياً لتعلق على مقالي الذي تقرأه في الانترنت، وكنت أسائل نفسي في بعض الأحيان كيف أزيلت المسافات ومحيت من الذاكرة تلك الأيام الخوالي التي كنا ننتظر فيها وصول المجلات والجرائد المصرية واللبنانية على أحر من الجمر لنقرأها.
لم تكن في متناول يدنا في البحرين في بدايات الستينات من القرن الماضي سوى صحيفتين وجريدة أسبوعية تكتب في مواضيع محددة ومقتضبة لا تشبع نهم القارئ. توالت التغييرات بعد ذلك فانتشرت الصحف المحلية وبدأت صحف عربية مهمة تطبع في الخليج كالحياة وغيرها. كما أصبحنا نقرأ معظم الصحف بلغات مختلفة على صفحات الانترنت.
حالياً تغير الوضع كلياً، حتى أن الكثير من الإعلاميين يتنبأون بزوال تدريجي للإعلام المقروء في الصحف لتحل الانترنت مكانه خاصة بالنسبة للدول المتقدمة. وسوف تتأثر الصناعة الإعلانية التي تعتمد عليها الجريدة في ميزانيتها.
ويتوقع بعض المراقبين أن تنتهي الصحيفة المقروءة خلال العقود الأربعة المقبلة حيث ذكرت مجلة الإيكونومست الأسبوعية أن دراسة استطلاعية قد وجدت أن حوالي 30% ممن هم في عمر الشباب من القراء في بريطانيا يقرأون جرائدهم المفضلة على الانترنت.
كما زحفت الإعلانات إلى الانترنت واستغنى معظمها عن الصحيفة المقروءة خاصة في سويسرا وهولندا حيث فقدت الصحف نصف إعلاناتها للإنترنت. ومن الملاحظ أن أرباح الشركات التي تصدر الصحف قد انحدرت عن مستواها السابق بسبب انصراف القراء، خاصة الشباب، الذين اتجهوا نحو الانترنت لاستقاء ما يشاؤون من معلومات.
كان الناس سابقاً يعتمدون اعتماداً كلياً على الصحف في اقتناص المعلومة أما الآن فالصحف الالكترونية تأخذ حيزاً من اهتمام القارئ الشاب بينما الجزء الأكبر يتجه إلى مصادر معلومات داخل الشبكة الالكترونية وهي متعددة ومتخصصة في الوقت ذاته. ونتيجة لكل ذلك فقد خسرت تلك الصحف جزءاً من أرباحها السنوية حيث كانت الإعلانات تشكل 36% من أرباحها عام 2005 وستهبط عام 2015 إلى 25% .
كما تذكر مجلة الايكونومست. تلك الصحف تحاول اللحاق بالتحولات التي تحدث في العالم في مجال الإعلام الالكتروني وربما ستستعمل إلى جانب ذلك الهواتف النقالة وغيرها. ومنذ نهايات التسعينات وحتى عام 2004 كانت تلك الصحف المطبوعة تكرر نفسها أي تنسخ حرفياً على الانترنت ما هو موجود على الصحيفة الورقية دون أي تغيير على الإطلاق.
وهذا ما جعلها تفشل في منافسة مصادر المعلومات المتخصصة على الشاشة الصغيرة. أما في السنتين الماضيتين فقد نوعت تلك الصحف في عرضها للحدث على الانترنت فهي لم تقتصر على استعمال الصورة والكتابة بل أضافت إليها الصوت. فأنت عندما تقرأ تحليلاً للخبر على سبيل المثال، تدير الصوت المصاحب للخبر وتسمع دوي المدافع وترى مشاهد حية تجري أمامك.
بعض المراقبين، كما ذكرت جريدة الحياة، يؤكدون أن الكمبيوتر «يعيش في مسار الزوال» وذلك بسبب التكنولوجيا الجديدة التي تسمى «النانوتكنولوجيا» والتي ترى أنه يجب أن يصغّر الكمبيوتر بشكل مستمر إلى أن يصبح متناهي الصغر، وعندها يمكن إدراجه في نسيج الأشياء كلها ليذوب فيها. أي أن يذوب الكمبيوتر حينها في النظارة والسيارة وحفاضات الأطفال وغيرها. وقد ذكر بيل غيتس أن الكمبيوتر ربما سيصبح روبوتاً وأنه لن يستطيع التطور بصفته كمبيوتراً.
تساؤلي هنا ما إذا كانت صحفنا في المنطقة ستمر بالمشكلة ذاتها.. وهل يترك القراء، وأنا واحدة منهم، تلك الصحف ويتجهوا إلى الانترنت لاستقاء ما يريدون من معرفة؟ الأرجح أن جيلي سيبقى موزعاً بين قراءة الصحيفة والانترنت. أما الأجيال الشابة فهي التي ستتجه حتماً نحو الانترنت بكل طاقتها وربما ستأخذ المعرفة مستقبلاً من «النانوتكنولوجيا» عن طريق الأكل أو أقراص الدواء.
كاتبة بحرينية