الجولة الحالية التي يقوم بها كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة تعكس بخريطة العواصم التي يمر عليها نظرة أممية أكثر اتساعاً وأكبر عمقاً، وبالتالي يمكن أن تكون أكثر قدرة على استيعاب طبيعة قضايا المنطقة بقدر أكثر فهما بما يمكن من القدرة على التعامل معها سعياً لحلها.

وسبق عنان جولته في منطقة الشرق العربي الإسلامي أن قدم نفسه بصورة ايجابية عكست نمو فهمه لقضاياه وتزايد استيعابه لأسبابها وللحلول المناسبة للتعامل معها، عدلت من صورة سيئة للمنظمة الدولية وخصوصا لمجلس الأمن في تعاطيه مع القضايا العربية والإسلامية . ففي كلمته الافتتاحية لمناقشة مجلس الأمن التي صدر فيها القرار 1701 كان عنان واضحا ومحددا بصورة لافتة للنظر، فقد عبر الرجل عن خيبة أمله في فشل المجلس في إصدار قرار بوقف فوري لإطلاق النار بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان..

وحذّر الرجل من أن فقدان شعوب العالم للثقة في مجلس الأمن نتيجة عجزه عن القيام بواجباته وأداء مسؤولياته في حفظ السلم والأمن الدوليين، قد يزعزع الثقة في الشرعية الدولية وفى قدرتها على حل قضايا العالم في المستقبل.

وأدان الرجل القوة المفرطة للمعتدين الإسرائيليين ضد المواطنين اللبنانيين، والانتهاكات العدوانية للقانون الدولي ولاتفاقيات جنيف في زمن الحرب، معبراً عن ألمه العميق للمآسي الإنسانية التي يعانيها المدنيون الأبرياء في هذه الحرب الهوجاء وأشار الرجل إلى إحباطه من قيام بعض الدول بتعطيل دور مجلس الأمن وإطالة زمن الحرب الأمر الذي بدا كضوء أخضر لاستمرار المآسي والمجازر والانتهاكات والتدمير..

على أن أهم ما أوضحه الرجل هو اقتناعه بترابط قضايا المنطقة وتشابه خيوطها انطلاقا من فلسطين ومرورا بالعراق وإيران وسوريا وصولاً إلى لبنان، منبها إلى أن الحل ينبغي أن يتجه إلى التعامل مع الصراع في الشرق الأوسط من خلال حل كل قضايا المنطقة بمركزها في فلسطين وانعكاساتها في لبنان.

وفى حديث تلفزيوني لإحدى القنوات العربية بعد ذلك رفض كوفي عنان اعتبار حزب الله منظمة إرهابية، رافضا في نفس الوقت فكرة محاولة نزع سلاحه بالقوة، منبها إلى أنه حزب سياسي له تأييد شعبي يشارك في البرلمان الوطني والحكومة اللبنانية وأن له قضية هي نفسها قضية لبنان تتعلق بمزارع شبعا وبإطلاق الأسرى اللبنانيين.

عنان بهذه الصورة الايجابية لم يقدم نفسه كمسؤول عربي أو إسلامي يدافع عن قضايا هذه المنطقة، وإنما كمسؤول أممي يمثل رمزاً لمنظمة عالمية قامت أساساً لمنع الحروب وحفظ السلام وفقا لميثاق عالمي وقانون دولي يحفظ حقوق الشعوب ويجب أن يحترم.

هذه الصورة الايجابية للامين العام لا تمنعنا من بعض الرؤى السلبية للمنظمة الدولية ومواقفها المتناقضة في ظل اختلال موازين القوى الدولية بهيمنة وحيد القرن الأميركي على القرارات الدولية بما يخدم أجندتها العالمية على حساب المبادئ الأممية.. ولا يمنعنا أيضا من توجيه الملاحظات والانتقادات لبعض مواقف وتصريحات عنان نفسه في قضايا عربية وإسلامية مثل قضية السلام في دارفور والتعامل معها على حساب السيادة السودانية .

لكن مواقف عنان الأخيرة تؤكد لنا أن الصمود الأسطوري للمقاومة اللبنانية، والالتفاف الشعبي العربي والإسلامي والعالمي معها ضد العدوان، والتحرك الرسمي العربي والإسلامي الداعم للبنان في الساحة الدولية ساعد العالم على فهم أكبر لقضايا المنطقة. ومع ذلك كان ضمير الرجل يأبى عليه أن يؤدي دوره كما أرادت له واشنطن أن يؤديه في نيويورك، ومثلما كان عالي الصوت في وصفه للعدوان الأميركي البريطاني على العراق بأنه غير مشروع، واصفا بدء العدوان بأنه يوم أسود في تاريخ المنظمة الدولية..

رفض الرجل في تعامله مع الحرب العدوانية الصهيونية، وفى مشروع القرارات الفرنسية الأميركية بأن يملي عليه أحد ما يقوله أو ما يفعله . ففي حين ترفض واشنطن الحوار مع طهران محاولة عزلها لحل قضايا فلسطين ولبنان، عبر عنان في روما أنه لن يتردد عن زيارة إيران لحل القضايا المترابطة في المنطقة. وعندما اتخذت باريس موقفا غريبا من دمشق رافضة الحوار معها لحل قضية لبنان، كان موقف عنان مغايرا للموقف الفرنسي الذي يبدو أنه يعارض الوصاية السورية ليفرض الوصاية الفرنسية.

في هذه الأجواء والتوجهات تأتي جولة عنان في عواصم المنطقة العربية الإسلامية بحثا عن حلول لقضاياها دون أن يستثني من خريطة جولته من أجل فلسطين ولبنان زيارة دمشق أو طهران باعتباره يحترم نفسه كمسؤول أممي أو كمبعوث أميركي أو فرنسي إلى المنطقة.. مرحباً كوفي عنان.

mamdoh77t@hotmail.com