أشارت العديد من الكتب والتحليلات السياسية المنشورة في أميركا، إلى أن قرار الرئيس بوش بغزو العراق في عام 2003، جاء بناء على توصية من أنصار إسرائيل من المحافظين الجدد في واشنطن، وذلك خدمة للمصالح الإسرائيلية، ومن أجل تعزيز أمن الكيان الصهيوني.

وفي الواقع، كان المحافظون الجدد قد قاموا بتطوير خطة غزو العراق قبل سنوات من وصول الرئيس بوش للبيت الأبيض، وعرضها على بنيامين نتانياهو حين كان يشغل منصب رئيس الوزراء في إسرائيل. إلا نتانياهو كان على ما يبدو أكثر عقلانية من الرئيس بوش، ولذلك رفض الخطة وتحاشى التورط في حرب لا يعرف عقباها. لكن قادة إسرائيل وحلفاء الكيان الصهيوني من يهود أميركا وجدوا في تلك الخطة مبررا لحث الإدارة الأميركية على تنفيذها ضمن حملة «الحرب على الإرهاب».

حيث قاموا بشن حملة إعلامية مكثفة تتهم الرئيس العراقي السابق صدام حسين بالإرهاب وتهديد المصالح الأميركية والأمن العالمي، وتطالب بالإطاحة به وتدمير نظامه.

وبعد وصول الرئيس بوش إلى سدة الحكم، والذي كان أول رئيس أميركي يؤمن بخرافة عودة المسيح بناء على معتقدات الحركة الأصولية المسيحية التي يُطلق عليها اسم «المسيحية الصهيونية»، تمكن المحافظون الجدد من السيطرة على صنع القرار السياسي والعسكري المتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.

وبسبب كونهم أكثر تعصبا للصهيونية من ليكود إسرائيل، وأكثر عنصرية من عتاة المتطرفين من سكان المستعمرات اليهودية في القدس والخليل، فإن المحافظين الجدد قاموا بتحديث خطة غزو العراق، والإشراف على تنفيذها من خلال مكاتبهم الأنيقة في البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية.

ومما ساهم في التحريض على غزو العراق، تنامي الاهتمام الأميركي بضرورة السيطرة على بترول المنطقة، وذلك من أجل تأمين إمدادات النفط لأميركا ولعملائها في العالم، واستخدامه أداة استراتيجيه للضغط على الصين وغيرها من قوى دولية منافسة.

وأقول هنا عملاء أميركا ولا أقول حلفائها، لأن أميركا قلما قبلت بمبدأ التعامل مع الغير من الدول على أساس التحالف، وغالبا ما تعاملت مع «الأصدقاء» من حكومات وحكام كعملاء، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة.

وحيث إن الرئيس بوش كان أحد رجال البترول الفاشلين في تكساس، وأن نائبه ديك شيني ترأس قبل انتخابه إحدى أكبر الشركات العاملة في مجال الخدمات البترولية، فإن الطمع في البترول العربي كان عاملا مساعدا في دفع بوش نحو غزو العراق واحتلال أراضيه والإطاحة بنظام الحكم فيه.

إن جهل الأميركيين عامة بالثقافة العربية، وعدم معرفتهم بطبيعة المجتمع العراقي وتركيبته الطائفية، قادهم إلى ارتكاب أخطاء قاتلة بعد إسقاط نظام صدام حسين واحتلال بغداد. وفي مقدمة تلك الأخطاء: تسريح الجيش العراقي، تفكيك قوات وأجهزة الأمن العراقية، طرد كبار المسؤولين العراقيين من وظائفهم في أجهزة الدولة ودوائرها الرسمية، وبالتالي إرجاع العراق إلى عهود ما قبل الاستقلال.

ومما ساهم في تشجيع الأميركيين على السير في هذا الاتجاه، قيام عملاء أميركا وأعداء صدام اللدودين من العراقيين بتحريض قوات الاحتلال على «تنقية» الدولة من «البعثيين والصداميين». وفي ضوء الفراغ الأمني الذي خلقته تلك الإجراءات، وجدت مختلف القوى.

خاصة الطائفية والأصولية المتطرفة منها، فرصة مواتية لتشكيل ميليشيات خاصة، كوسيلة لحماية أتباعها، وتعزيز مواقعها، وتقوية مراكزها التفاوضية، وتصفية حساباتها مع الغير من قوى مناوئة ومنافسة. ولقد تبع ذلك، حدوث حالة من الفلتان الأمني، وانتشار الفساد والفوضى، واتساع نطاق الجريمة، وتوفير الأجواء المناسبة والمبررات الكافية لميلاد مقاومة وطنية فاعلة، وتصاعد نشاطات العصابات الإجرامية والأعمال الإرهابية، وبالتالي فشل قوات الاحتلال في السيطرة على زمام الأمور في البلاد.

إن انشغال الرئيس بوش في احتواء الأزمة العراقية المتصاعدة من ناحية، وعودة طالبان وقوات القاعدة لأخذ زمام المبادرة في أفغانستان من ناحية ثانية، واستسلام الدول العربية لأوهام عملية سلام لا وجود لها على أرض الواقع من ناحية أخرى، أدت في مجموعها إلى قيام إدارة بوش بإهمال قضية الصراع العربي الإسرائيلي إهمالا كاملا، وبالتالي تسليم ملف عملية السلام برمتها لإسرائيل لتتصرف به كما تشاء. وفي الواقع، لم يجد الرئيس الأميركي الحالي ما لا يعجبه في أية خطة إسرائيلية، ولا من لا يسحره من قادة إسرائيل، حتى عتاة المتطرفين والمجرمين والحمقى منهم.

لذلك وجدت إسرائيل أن الفرصة مواتية لتصفية حساباتها مع جيوب المقاومة الفلسطينية واللبنانية المتبقية، وذلك في محاولة لتحديد حدودها بالكيفية التي تروق لها وتسمح لها بالاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتقطيع جسد الكيان الفلسطيني وتجزئته إلى كنتونات من العمال والبؤساء والمستعبدين.

ولما كان تاريخ الصراع مع إسرائيل يشير إلى أن كل حاكم إسرائيلي كان أكثر عنصرية واستعدادا لارتكاب الجرائم من سابقه، فإن قادتها الحاليين يقومون اليوم بممارسة العقاب الجماعي ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، في ظل تواطؤ أميركي كامل، وسكوت دولي يصل إلى درجة الطرش والعمى، وانهزامية عربية رسمية لا تقوى حتى على إدانة الجرائم الإسرائيلية. ولذلك بدأت إسرائيل بتدمير مكونات البنية التحتية الأساسية من طرق مواصلات وجسور وموانئ ومطارات.

وانتقلت منها إلى تدمير خزانات الوقود ومولدات الكهرباء ومحطات تنقية المياه، ومن ثم تكثيف عملياتها العسكرية لإبادة قوى المقاومة وقتل أكبر عدد من الأطفال والنساء والرجال وتدمير المستشفيات والطرق، وذلك في محاولة على ما يبدو لحرمان الجريح من علاج، والميت من كفن يغطي جراحه وقبر يواري أشلاءه.

وبينما تحاول الإدارة الأميركية تقليل حجم خسائرها المادية والبشرية في العراق وإضعاف احتمالات الهزيمة، تحاول الحكومة الإسرائيلية تعظيم حجم مكاسبها الإقليمية والإستراتيجية على حساب الأمة العربية.

لكن النجاح الأكبر والأهم الذي تحققه الدولتان المعاديتان لحقوق وإنسانية الإنسان العربي عامة، هو تعميق الشعور بالكراهية تجاه أميركا وإسرائيل، وتوسعة نطاق الإرهاب ودعم مبرراته، وزيادة شعبية المقاومة المسلحة والصمود، وإضعاف حلفاء أميركا من حكام عرب وغير عرب في العالم، وبالتالي بدء عملية العد العكسي لمصالح ونفوذ أميركا في المنطقة العربية، ولشرعية الوجود الإسرائيلي في فلسطين.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

Professorrabie@yahoo.com