لو اخترنا اسماً وشعاراً للحرب الإجرامية الأخيرة التي شنتها قوات إسرائيل على شعب لبنان لما وجدنا أفضل وأنسب من حرب التصحيح، لأنها في الواقع أعادت كثيرا من الأمور إلى نصابها.
وأرجعت المفاهيم والقيم والكلمات إلى معانيها الأصلية بعد أن شوهتها البروباغندا الصهيونية منذ انطلاق مسار الهزيمة المسمى بمسار السلام عام 1993 حين خططت الدعاية السياسية للمحور الإسرائيلي والمساندون له لبرمجة الانهيار الباطني وغرس ثقافة الهزيمة داخل العقول العربية قبل استفحالهما في ساحة المواجهة.
فالحرب السادسة هي حرب التصحيح بكل المقاييس، لعل الله سبحانه أرادها صحوة للضمير العربي النائم نوم أهل الكهف على أضغاث كوابيس الأمر الواقع، بتدبير لئيم من الواقعيين العرب الذين ينبع شعار الواقعية لديهم لا من معرفة الواقع والتعاطي بواقعية مع العالم لكن من الاستسلام للأمر الواقع والرضوخ لاملاءات أسياد اللحظة والتسليم بخنوع العجزة للطغيان العالمي الجائر وهؤلاء يذكروننا بقصة الزوج الرعديد الذي أيقظته حرمه ليلا قائلة له بأن بالبيت لصا فنهرها قائلاً: نامي إن بجانبك رجلا.
وبعد هنيهة هزته صارخة وهي تقول: اصح يا رجل أن اللص اقتحم الباب وهو في غرفتنا، فقال الزوج الواقعي: لا تحملي هما فان زوجك هنا، وما كان من اللص إلا أن ينحني على الفراش ويحمل الزوجة بين ذراعيه ويشرع في الخروج بها هاربا، وهنا صرخت المسكينة مستنجدة: يا رجل أن اللص يختطفني عنوة، فأجاب الزوج : لا تنزعجي وطيبي نفسا فقد تركت في البيت رجلا!
ذلك حال المغرورين من أبناء جلدتنا الذين فقدوا إرادة المواجهة ونصرة الحق وتحولوا عبر أجهزة الإعلام إلى تطبيعيين وليبراليين ومسالمين في حين فقدوا كل صلة بالواقع الحقيقي الذي يتميز بسياسة الفولاذ والنار الإسرائيلية دون أي تنازل عن الاحتلال أو تردد في الاغتيال أو تطبيق لقرارات مجلس الأمن الأربعة والسبعين التي أدانت إسرائيل منذ ستين عاما ودون أي اعتبار لا للحق العربي ولا للقانون الدولي.
ذلك هو التصحيح الأول الذي أنجزته هذه الحرب: أي كشف المستور في سياسة الدولة العبرية حين أظهرتها بكل بشاعة الإبادة النازية قوة عمياء أصبح المحللون الغربيون وحتى بعض اليهود يقارنونها بالجيش الألماني في الربع ساعة الأخير من الحرب العالمية الثانية وقبل انهيار الآلة العسكرية الهتلرية حين دكت قوات النازية مدن فرنسا وبريطانيا.
وقتلت الأطفال والأبرياء العزل كعملية يأس ورد فعل مجنون قبل الهزيمة النكراء. إن مفهوم شرعية دولة إسرائيل ذاتها أصبح مهزوزا لدى أغلب المثقفين اليهود أنفسهم، فقد بلغ الأمر بأحد أبرزهم وهو الصحافي المعروف نيكولاس روزنمبوم بالإفصاح أمام ملايين المشاهدين للقناة الفضائية الخامسة.
وفي أشهر برنامج سياسي بثته المحطة ظهر الخميس الماضي باعتقاده الراسخ بأن دولته تكبدت هزيمة تاريخية وقال بالحرف بأن ما وقع أحدث زلزالا في إسرائيل وخاصة بعد الكشف عن الجرائم الأخلاقية والتجاوزات والانحرافات التي تورط فيها الى حد اليوم كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير العدل.
وبدأ المثقفون الكبار في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا ينادون بقيام إسرائيل بتعويض لبنان للدمار الذي أحدثته ويطالبون مجلس الأمن بإجبار إسرائيل على دفع التعويضات.
وأبرز هؤلاء أستاذ القانون الدولي في باريس الدكتور جون بيار كولان الذي تدخل في البرنامج الحواري للقناة الأوروبية يوم الخميس ليعلن بأن دولة إسرائيل تأسست على الإرهاب عام 1947 وأنها خططت للقتل والإبادة في كل من لبنان وفلسطين وأنها اليوم في مأزق كارثي! وفي طرح آخر مثير لعل الجمهور العربي شاهده على الفضائية السورية تكلم النائب البريطاني في مجلس العموم جورج غالواي عن قراءته للجريمة الإسرائيلية محييا صمود اللبنانيين والفلسطينيين ومؤكدا بأن الشرق الأوسط الجديد بصدد التشكل لكن تماما مثل أميركا اللاتينية ضد الاستبداد والهيمنة الأطلسية!
وليس حسب رغبات الإدارة الأميركية الحالمة والظالمة والمنحازة! إن حرب التصحيح بدأت تضع الأمور في نصابها كما يشاء رب العالمين لا كما يشاء الطغاة وكما يسن القانون الدولي لا كما يسن المحافظون الجدد وكما يسير التاريخ في دورته الكونية كالنهر الواثق لا كما يريد أعداء الاسلام والمتربصون بأمته من لقطاء الحضارة والمنبتون ودعاة الفتنة الملتفون برداء الواقعية والحكمة من القاعدين والمنافقين.
alqadidi@hotmail.com