هذا هو لبنان، هكذا كان وهذا هو حاله الآن، متوسطي المناخ، عربي الملامح، غربي الهوى، يتأرجح بين المنعة والهوان.لكنه ظل وفيا على الدوام وفيا لبنات أفكار«الأسياد» الأوائل للشرق الأوسط الجديد سايكس الإنجليزي وبيكو الفرنسي، اللذين رسما خارطة المنطقة على الورق عام 1917وتجسدت تصوراتهما على الفور واقعا ملموسا يخزق العين ويدمى له القلب، فتفتت عضد الوطن العربي الكبير متحولا إلى أجزاء مبعثرة لا حول لها ولا قوة خارج اهتمامات مستعمر قديم متجدد لا ترقى إلى ذهنه سوى لغة المصالح المادية الصماء.

هي صورة مجهرية أو مخبرية إذا نظر إلى خلفيتها، يتضح أنها مجرد نقطة في بحر مر شاسع متلاطمة أمواجه المزبدة على مر الأيام.

لا مجال للشك في أن حزب الله اللبناني حين قبل بقرار مجلس الأمن 1701 إنما قبله في إطار لا يقتصر على الاهتمامات الوطنية اللبنانية الصرفة والتسليم ببنوده المجحفة بحق لبنان ومحيطه العربي، بل إن ذلك القبول جاء في سياق نظرة أشمل على الأرجح أنها رأت ما لم يراه آخرون كثر ووضعت في حساباتها أمرا جللاً يشق طريقه صعودا في المنطقة يتجسد ربما في استحقاقات سياسية وأمنية وإقتصادية إقليمية.

يؤكدها السلوك السياسي الهادئ الذي يبديه الحزب حيال النقاش الدائر في لبنان حول بنود القرار الدولي المشؤوم، إن لم نقل عدم اكتراثه به فيما يصب جل اهتمامه على تلبية احتياجات الناس المتضررين من العدوان البربري الأخير، الذي شنته الدولة العبرية بالتعاون مع الولايات المتحدة ومباركة فرنسا ضد لبنان.

هذا التوجه ينم عن حنكة سياسية لا يستهان بها قادت الحزب الفتي نسبيا إلى ما هو عليه الآن من قوة شعبية منقطعة النظير في منطقة بات فيها رغيف الخبز والنأي بالنفس عن دوائر المخابرات الشغل الشاغل لكل فرد يعيش فيها.

أما مرده فيبدو أنه مرتبط بعدم قناعة الحزب بالتحركات السياسية التي رافقت وأعقبت الغزو الإسرائيلي، ما دفع الحزب إلى توجيه تفكيره باتجاه آخر والتوصل إلى نتيجة تتلخص بأن ثمة ضرورات قاسية تجعل من الانحناء أمام هذه العاصفة الدولية الهوجاء أمرا هينا أمام ما سيميط عن اللثام في قادم الأيام حول أطوال وأحجام خيوط لعبة الكبار الإقليمية التي تحتل إيران موقع قلب الهجوم فيها.

حزب الله لم يصبح نجم لبنان الوطني وبطل العرب القومي ومحرر العالم الأممي بفضل عقيدة وتنظيم حديدين فحسب، بل لأنه قرأ التاريخ جيدا أيضا، بما فيه تاريخ لبنان، الذي وجده مكررا لنفسه في أكثر من زمان أو مكان، فجميع المفاصل التاريخية التي مر بهل لبنان إنما انطوت على مشهد متكرر يعمل فيه طرفا أو أطرافا ما على الساحة الداخلية وتتحاور مع أطرافها الفاعلة وغير الفاعلة وعينها على الخارج عموما وعلى المعادي منه على وجه الخصوص.

ونظرة سريعة على المشهد السياسي اللبناني على الأقل منذ بداية الحرب الأهلية تسمح برؤية ذلك الحضور الدائم للقوى الخارجية على أرض لبنان، سواء ذلك الحضور أمنيا أو سياسيا أو عسكريا أو حتى ثقافيا. باختصار، بينما كانت الحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية تلملمان جراحاتهما إثر العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982، كانت أطراف لبنانية تغزل شباكها مع الدولة العبرية وتوقع اتفاق 17 أيار/ مايو سيئ الصيت الذي أحاله الشعب اللبناني إلى مزبلة التاريخ.

وبينما كانت المفاوضات اللبنانية ـ اللبنانية واللبنانية ـ العربية جارية على قدم وساق بشأن التجديد للرئيس إميل لحود، كان الراحل رفيق الحريري ومن لف لفيفه يضعون اللمسات الأخيرة للقرار 1559 سيئ الصيت أيضا، الذي أخرج القوات السورية من لبنان ودعا إلى نزع سلاح أي مقاومة وأبقى الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني.

وبينما كانت الآلة العسكرية الصهيو- أميركية تدك لبنان بما تفتق ذكاؤها من أسلحة فتاكة، كانت أطراف لبنانية غارقة مع حلفائها الغربيين في صياغة مشروع القرار 1701، الذي يبقي الاحتلال على ما هو عليه ويدعو إلى «تنظيف» لبنان من أي شكل من أشكال الممانعة للسياسة الصهيونية في المنطقة، فضلا عن تقطيع أوصال لبنان بمحيطه العربي الطبيعي.

الخلاصة هي أن هذا التاريخ القريب يشير إلى بقاء البنود المستحقة على الجانب الإسرائيلي في القرار الدولي المذكور على علاتها معلقة إلى إشعار، حالها في ذلك حال جميع القرارات المماثلة الصادرة عن المنظمة الدولية، بينما تطبق البنود المستحقة على الجانب اللبناني بحذافيرها، ما يدخل لبنان إلى نطاق السجن الصهيوني الكبير، الذي يبدو أن خطي علم الدولة العبرية الأزرقين باتا يحددان حدوده الجيوسياسية.