يبدو للقاصي والداني أن الأزمة بين لبنان وإسرائيل ليست إلا جزءا من الصراع الأكبر بين إسرائيل من جهة والشعب العربي سواء في فلسطين أو سوريا أو لبنان من جهة أخرى ، وأن أي حل جزئي لن يكون قابلاً للاستقرار إلا كخطوة لحل شامل للصراع العربي الإسرائيلي ككل.
وإلا في ظل يقين ثابت بأن الطبيعة العدوانية التوسعية العنصرية لإسرائيل المناقضة بطبيعتها للسلام، وأن الكيان الذي قام على الحرب لا يفهم ولا يريد أن يفهم لغة السلام بغير قوة تفرض السلام ومقاومة ترد العدوان، ومن هنا فلا خيار استراتيجي عربي للسلام يمكن أن يجلب السلام دون خيار استراتيجي عربي للقتال جاهز للتعامل مع العدو إذا أصر على رفض شروط السلام، ودون إبقاء خيار المقاومة، وسلاح المقاومة جاهزاً للردع والتحرير إذا عجزت الجيوش عن ذلك.
إن رسالة القوة التي بعثت بها المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله إلى كل من يهمه الأمر من بعض اللبنانيين وبعض العرب وكل العالم، ومن قبلهم الكيان الصهيوني جيشاً وشعباً وحكومة هي وحدها التي صنعت التحولات التي وحدت لبنان وزعزعت إسرائيل، وغيرت المواقف المترددة وطنياً وعربياً، وحركت المواقف المتواطئة دولياً.
قوة المقاومة لم تكن شجاعة قتال ولا كفاءة سلاح فحسب، وإنما قبل كل هذا إيمان بالله وبعدالة القضية، وإرادة صلبة على استعادة الحق وتأكيد الكرامة الوطنية.
كما أن قوة الإيمان بالحق، وقوة الإرادة المصممة على استعادة الحق العربي لفرض السلام القائم على العدل يتطلب أيضاً من الشعب العربي والقيادات العربية تجاوز الخلافات والتعالي عن الصغائر، والبعد عن الاتهامات، والتعبير عن إرادة شعبهم العربي في التوصل إلى صيغة جديدة للتضامن العربي الجدي الفعال الذي لا يكتفي بالبيانات وتسجيل المواقف دون الأفعال.
لأن الوحدة الوطنية في دول المواجهة إذا كانت هي القاعدة الأساسية للصمود، فإن الوحدة العربية هي الدرع الذي لا بديل عنه لدعم كل وحدة وطنية وتعطي مظلة الحماية القومية لإنجاز الأهداف الوطنية، خصوصاً لموازنة المشاريع الدولية المشكوك في أمرها والساعية لفرض الأمر الواقع، وإلحاق المنطقة بدوائر التبعية.
الصمود الأسطوري للمقاومة الإسلامية في لبنان والوحدة الوطنية اللبنانية، وما أمكن للدعم السياسي الشعبي والرسمي العربي والإسلامي أن يقدمه دعماً بالسياسة أو بالسلاح هو الذي مكن لبنان، رغم الثمن الإنساني الباهظ الذي دفعه جراء العدوان الصهيوني، من أن يصبح اليوم في بؤرة ارتكاز الصورة العربية والإسلامية والدولية، بعد الصمت المريب والتواطؤ العجيب.
والانحياز الرهيب من قوى دولية معروفة ومكشوفة كانت تدعي ولا تزال صداقة لبنان والحرص على دعم حكومة لبنان!
والكيان الصهيوني اليوم بعد رسالة المقاومة القوية يواجه آثار الزلزال العسكري والسياسي الثاني بعد الزلزال الأول الذي واجهته إسرائيل على يد الجيوش العربية المصرية والسورية في حرب رمضان المجيدة عام 1973.
إن إسرائيل اليوم تواجه أولاً لجنة تحقيق رسمية عليا تحقق في أسباب قصور القيادتين العسكرية والسياسية في تحقيق أهداف المعركة وفي أداء الجيش المقهور، وتواجه الحكومة إدانة شعبية بنسبة 74%، ونقداً إعلامياً غير مسبوق كلها تقر بالهزيمة والفشل وتوجه أصابع الاتهام «لأولمرت» السياسي وغير السياسي، و«لعمير» الجنرال غير العسكري ويضعانهما في قفص الاتهام.
والعجيب ، والمثير للريبة أيضاً أن هناك في الساحة اللبنانية من يحاول بوعي أو بدون وعي نقل الكرة الملتهبة من إسرائيل إلى لبنان عن طريق المسارعة إلى التشكيك في انتصار المقاومة التي هي انتصار للبنان، كل لبنان، قبل أن تكون انتصارا لحزب الله.
وعن طريق حملة بدت منظمة تتحدث عن ضرورة نزع سلاح المقاومة، وكأنه عقاب مطلوب لسلاح أنزل بإسرائيل الهزيمة، ووضعها في قفص الاتهام وأثبت قدرة لبنان على رد العدوان، وجعل لبنان محور اهتمام العرب والعالم.
إن المرحلة الحالية لا بديل للوصول إلى تحقيق سلام لبنان وسلام المنطقة إلا بوحدة لبنان الوطنية، ووحدة العرب القومية ونزع محاولات الوقيعة والتفتيت في العلاقات العربية العربية، أو العربية الإسلامية عن طريق إثارة الفتنة المذهبية، وتأجيج الخلافات السياسية الطبيعية، والتي يكون جلها بإدارة الحوار وليس بإثارة الشجار، بتكامل العمل الوطني والعمل القومي ليكون فاعلاً في ساحة العمل الدولي تحقيقاً لأهداف الشعب العربي في الحرية والوحدة والسلام.
mamdoh77t@hotmail.com