لعل الإجابة عن هذا السؤال تبدو بديهية بالنسبة لمعظم الناس باعتبار أن المقاومة اللبنانية هي التي انتصرت. لكن المقصود من طرح هذا السؤال هو محاولة لعقلنة الإجابة كيف ما كانت ولإيجاد ما يسندها موضوعياً.

إذا حاولنا استقراء ما ترتب من نتائج على الصراع المسلح بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل فإننا سنجد بعض النتائج لا تزال معلقة على توافر شروط لاحقة لكي تكون في مصلحة هذا الطرف أو ذاك، فلا شك ان المقاومة اللبنانية تبدو منتصرة ليس حسب المفهوم المطلق للصراع في بعده التاريخي والجغرافي.

بل بالنظر إلى الاستسلام العربي وروح الهزيمة المتجذرة في حنايا النفس العربية على مستوى الحكام والمحكومين، فالمقاومة العربية اللبنانية أو حزب الله - كما يصر على تسميتها الإعلام الغربي والإعلام الرسمي العربي ـ استطاعت أن تقاتل إسرائيل لأكثر من ثلاثين يوما في مواجهة مفتوحة وهو أمر لم يعتده العرب الذين تبدو ملامح الهزيمة تلوح على جيوشهم منذ اليوم الأول أو الثاني من بداية الحرب.

وإذا ما استطاعت هذه الجيوش أن تواصل القتال إلى الأسبوع الثاني حتى يسعفها مجلس الأمن ويوقف إطلاق النار فإن ذلك يعد انتصارا في حد ذاته، ولذا فقد غدا السؤال الذي يطرحه العرب كلما نشبت مواجهة بينهم وبين إسرائيل ليس هل سنهزمها بل كم من الوقت نستطيع تأخير الانتصار الإسرائيلي وإلى أي حد نستطيع أن نحجم هزيمتنا ونقلل من نتائجها.

إن دخول الحرب بنفسية من لا يطمح في النصر بل في هزيمة مشرفة أدى إلى خفض سقف الطموحات العربية الرسمية ثم أصبحت هي نفسها سقف طموحات الشعوب التي قبلت واستسلمت لحالة أنها مهزومة في مواجهة الأنظمة السياسية.

وفي مواجهة الغرب وإسرائيل، فصار الاختيار هو ما بين أشكال ونتائج الهزيمة وليس بين الهزيمة والنصر، فهذه الحالة حينما تتمكن في أكثر من جيل فإنها تصبح جزءا من الإرث السيكولوجي الفاعل في النسيج الثقافي والاجتماعي ـ السياسي للجماعة والمؤثر في ردة فعلها السياسي تجاه الصراع.

في ظل هذا الإرث السيكولوجي السياسي العربي انفجرت المواجهة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية فكانت نتائجها حتى الآن بالنظر إلى تلك المقاييس حالة متقدمة ونصرا في غير موعده. فالمقاومة تعتبر منتصرة إذا أخذنا في الحسبان الأمور التالية:

1 ـ إذا ما نظرت المقاومة لنفسها على أنها فصيل مقاوم محدود الإمكانيات يدير صراعا مسلحا ضد جيش يعد أسطورة مخيفة في النفسية العربية المهزومة، وفوق مسرح سياسي معقد على الصعيد الوطني والعربي والدولي ووسط ظروف تبدو في ظاهرها أكثر مواءمة للخصم والذي يبدو من خلال ما تم كشفه من معلومات انه خطط واختار التوقيت.

ولم تكن حملته العسكرية مجرد رد فعل على مفاجأة لم تكن في حسبانه فأربكته وجعلته يتخبط دون هدف، فكل ما تسرب من لقاءات ومشاورات بين المسؤولين الإسرائيليين والإدارة الأميركية يشير إلى ان ما حدث هو خطة مدروسة في إطار تصور استراتيجي لشرق أوسط جديد تشكل هذه الحرب إحدى خطوات انجازه الأساسية.

2 ـ تعتبر المقاومة منتصرة إذا ما نظرت إلى صمودها وإدارتها للصراع المسلح طوال هذه المدة على انه ليس مجرد تصد لحملة عسكرية تأديبية يقوم بها الجيش الذي لا يقهر، بل منازلة مع مخطط استراتيجي تقف خلفه الولايات المتحدة وقوى الغرب الفاعلة كل حسب مصلحته بما في ذلك فرنسا التي عارضت تدمير البنية التحتية اللبنانية ولكنها قطعا ترحب وتؤيد هزيمة حزب الله وكسر شوكته عسكريا، بل وإخراجه كشريك مزعج من المعادلة السياسية اللبنانية التي حبكتها منذ معاهدة سايكس- بيكو.

ولذا فإن وقوف المقاومة وعدم هزيمتها ميدانيا حتى الآن رغم ضراوة الهجمة وثقل المخطط المتعدد الأطراف غربيا وعربيا، يعد في حد ذاته حالة تستحق احترام الآخرين ونصرا واضحا في نظر المقاومين بل وأيضاً في نظر مئات الملايين العربية التي تعودت على الهزائم المدوية.

3 ـ تعتبر المقاومة العربية اللبنانية منتصرة على أساس ما قدمته من وعود، فهي لم تعد منذ البداية بهزيمة الجيش الإسرائيلي في معركة خنادق وانساق واختراقات وتطويق واستسلام، بل توعدته فقط بعدم الكف عن قتاله أينما حل بالأرض اللبنانية وحرمانه من الاستفادة من مكتسباته على الأرض، التي يستطيع قطعا تحقيقها مستخدما احدث التكنولوجيا الغربية التي يزوده بها الغرب بسخاء قبل وأثناء الحرب.

وبالتالي فهي لم تسوق أحلاما يؤدي الإخفاق في تحقيقها إلى مزيد من الإحباط واليأس لدى ملايين الأنفس المتفرجة المهزومة ولكنها حافظت على ما وعدت به طوال فترة المعركة فكان ذلك على حد سواء مفاجأة سارة أنعشت كل النفوس المحبطة وانجازاً لا سابق له في تاريخ الوعود طوال ما سمي بالصراع العربي الإسرائيلي.

4 ـ تجد المقاومة نفسها منتصرة بالنظر إلى فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق ما وعد به علنا عند بداية الحرب، فقد أعلن أنه ذاهب لاسترداد الجنديين والقضاء على حزب الله والتفتيش من منزل لمنزل لقتل كل من تسول له نفسه رفع السلاح في وجه الجيش الإسرائيلي واعتقال من يؤثر السلامة.

وينبطح على الأرض رافعا يديه الاثنتين عاليا فوق رأسه، وهي وعود توقف إطلاق النار ولم يتحقق شيء منها على الأقل حتى الآن، فلعل كثرة الوعود الإسرائيلية وعدم تحقيقها وقلة وتواضع وعود المقاومة والقدرة على المحافظة عليها حتى الآن، يعد من أهم ما ميز هذه الجولة عن سابقاتها من الحروب.

5 ـ بإمكان المقاومة ان تعتبر ما حققته انتصارا إذا ما أخذت بعين الاعتبار أنها استطاعت ان ترغم سكان شمال إسرائيل ان يهاجروا إلى جنوبها ووسطها او يعيشوا لأكثر من شهر تحت الأرض وهو أمر لم يسبق للإسرائيليين ان عايشوه طوال حروبهم مع العرب.

فقد تعودوا ان يذهب من في الاحتياط ويبقى الآخرون يلعبون التنس ويرتادون المقاهي والنوادي والملاهي في طمأنينة وهم يشاهدون انتصارات جيشهم وهو يحتل القرى ويستحل المدن ويطارد فلول قوات أعدائهم من البرابرة المحيطين بهم . فلربما كانت هذه هي الحرب الأولى التي يحس الإسرائيليون ان جزءا منها يجري فوق رؤوسهم وفي وسط شوارعهم ولم يستطيعوا الاستمتاع بمشاهدتها وهم مطمئنون.

إن كل هذه الوقائع السابقة لا تعد شواهد على نصر إسرائيلي حتى الآن ولأعلى هزيمة للمقاومة ولكنها أيضاً لا تعتبر انتصارا في حد ذاتها بالنسبة للمقاومة، بل مقدمة لمشروع انتصار معلق على شروط أخرى مرتبطة بأوضاع لبنانية وعربية أهمها لبنانيا:

أولاً- طبيعة العلاقة بين المقاومة وبقية القوى اللبنانية في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، فإذا ما قامت القوى اللبنانية المختلفة منهجيا مع المقاومة بتحميلها مسؤولية كل ما دمرته إسرائيل فذلك سيؤدي في اغلب الاحتمالات إلى فتح صراع قد يقود إلى حرب أهلية رغم كارثيتها قد تفضلها قوى دولية وإقليمية كبديل عن روح الصحوة والثقة في جسد عربي سقيم.

فمثل هذا الاحتمال له من المرجحات أكثر من المبطلات وليس اقلها تلك الأنانية الزعامية والنزوع إلى تدمير الشقيق المنافس ولو على حساب الوطن، فهذه الصفات هي مكتسبات وارث تليد في الثقافة السياسية العربية، فإذا وقع مثل هذا المحظور فإن ما كان مقدمة لمشروع انتصار يتحول إلى كارثة ومغامرة غير محسوبة العواقب كما وصفها وتمنى لها بعض الحكام العرب.

ثانياً: استحقاقات ما بعد الحرب في حالة توقفها عند هذا الحد وأهمها سلاح المقاومة وهو بيت القصيد بالنسبة لكل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية فالاحتفاظ به مشكلة في ظل عدم توافق كل القوى اللبنانية كذلك التخلي عنه يعد خيبة وإحباطاً لا تقل قسوتها عن تلك المرارة التي يجري تجرعها في أعقاب كل هزيمة عربية، ذلك ان هذا السلاح يتم التخلي عنه قبل ان يتحقق أي غرض حمله الرجال من اجله.

اما انتشار الجيش اللبناني في الجنوب فرغم انه حق من حقوق الدولة إلا انه من منظور الصراع ليس إلا إغلاق لدائرة الجيوش العربية الرسمية حول إسرائيل التي وظيفتها الأساسية هي حماية الأنظمة والحدود الإسرائيلية وقتل او اعتقال أي مواطن يضبط متلبسا بتهمة التسلل للمشاركة في مقاومة أي احتلال لأرض عربية .

أما على الصعيد العربي فان أهم ما يعطي لهذه الحرب صفة النصر هو مدى وعمق الخلخلة التي تحدثها في غور النفسية العربية المستسلمة، فإذا ما نشأت عنها حالة من الصحو ترافقها روح من الجرأة تواجه محظورات الأنظمة السياسية وتنزل البعبع الإسرائيلي من عليائه الأسطورية المخيفة إلى ارض البشر الذين تطالهم قوانين الموت والخوف والهزيمة والقبول بما لا يرضيهم.

عندما يتحقق هذا عربيا ويمتنع تحقق تلك المخاوف لبنانيا ولا تقع جولة ثانية بين إسرائيل والمقاومة، عندئذ تصبح هذه الحرب التي خاضتها المقاومة بذكاء وبرجولة بداية لطريق عربي يقود إلى آفاق موعودة بالنصر خالية من الهزائم المشرفة.

كاتب ليبي

جامعة بنغازي