فضائح جنسية.. رشاوى.. تقصير.. عجز.. كلها قضايا تتراكم أمام الحكومة الإسرائيلية التي أصابتها الزلزلة اللبنانية. ليس لبنان وحده الذي يعاني من دمار وخلافات داخلية. بل أن الذي تعانيه إسرائيل أكثر من حيث الأضرار المعنوية والمادية واندلاع الخلافات التي قد تطيح بالحكومة وبحزبي كديما والعمل. فالحزب الذي ولد بالغاً بدت عليه علامات الشيخوخة المبكرة، حيث «كسرت عصاته في أول غزواته».

ولم يعد يعرف كيف يرمم صفوفه وكيف يعالج تداعيات ما بعد الحرب مادياً وسياسياً وعسكرياً، وهو عرضة لانتقادات من داخله ومن خارجه ولأول مرة من قادة عسكريين وضباط وجنود احتياط بدأوا ما يمكن تسميته بالتمرد أو العصيان مطالبين برحيل الحكومة وإجراء تحقيقات واسعة لمعرفة مدى التقصير في الحرب على لبنان التي كشفت مدى هشاشة الكيان الإسرائيلي.

وقد عبر عن ذلك رئيس جهاز المخابرات العامة وهو أقوى جهاز مهيمن في إسرائيل، حيث قال يوفال ديسكين بصريح العبارة ان السلطة الإسرائيلية انهارت أثناء الحرب في الشمال، وظهرت انتقادات للأداء العسكري أيضاً والتردد في اتخاذ القرارات، وترك جنود بلا ماء أو طعام في الجبهة حتى أنهم كانوا يبحثون عن الماء والطعام بين جثث مقاتلي حزب الله وترك الجنود جرحى في ميدان المعركة وعدم الزج بالمروحيات لإنقاذهم خشية إصابتها من قبل مقاتلي حزب الله.

وفوق هذا برزت تكاليف الحرب وإعادة بناء ما دمرته الحرب حيث قدرت بحوالي 5 ,8 مليارات دولار على مدى عامين وستطلب حكومة إيهود اولمرت إضافة ذلك إلى الميزانية ما يعني التضحية بأموال كانت وعدت بصرفها على الشرائح الفقيرة.

وطلب الجيش الإسرائيلي أسلحة جديدة بقيمة 28 مليار شيكل «الدولار 5 ,4 شيكلات» على مدى أربع سنوات وبالتالي سترتفع الميزانية العسكرية إلى 52 مليار شيكل وهي أكبر ميزانية في تاريخ إسرائيل. ويتعرض اولمرت أيضا لضغوط متزايدة لتعيين لجنة تحقيق رسمية في أحداث الحرب بعد إنهاء عمل لجنة «شاحاك» التي شكلها وزير الجيش عمير بيريتس.

إضافة إلى زلزلة لبنان ثمة هزات ارتدادية صاحبت ذلك على المستوى الفضائحي في إسرائيل حيث طالت الاتهامات رئيس الأركان دان حلوتس الذي باع أسهمه في البورصة قبل اتخاذ قرار الحرب ثم هناك الفضيحة الجنسية ضد الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف المتهم بإجبار موظفة لديه على ممارسة الجنس بتهديدها بالطرد..

ثم ظهرت امرأتان ادعتا عليه بالتهمة نفسها وهو معرض لفقدان منصبه كما أن وزير القضاء حاييم رامون يخضع للتحقيق بتهمة التحرش الجنسي بمجندة وثمة فتاة أخرى ادعت أيضاً انه تحرش بها..

كما أن رئيس الحكومة الإسرائيلية تدور حوله شبهات بالرشوة في مسألة شراء شقة. إذاً.. فالكيان الإسرائيلي يمر بأسوأ أزمة داخلية منذ تأسيسه، وكل مجريات الأمور تصب في مصلحة اليمين المتحفز للعودة للسلطة والذي يحلم بإجراء انتخابات مبكرة لكن حزب العمل ما زال مصراً على البقاء في الائتلاف الحكومي وثمة من يدعو اليسار إلى عدم الانسياق وراء الدعوات لإقالة اولمرت وإجراء انتخابات لأنها ستكون في مصلحة اليمين بزعامة بنيامين نتانياهو.

على الجانب الآخر أي الفلسطيني يبدو الوضع الداخلي وصل إلى الحضيض، فبعد أن كانت التصريحات تصب نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد انتهاء الحرب في لبنان وجرت جولة من الحوار بين الرئيس وقادة الفصائل في غزة.. اصطدم الرئيس الفلسطيني باشتراطات حماس ورفض تسلمها فهو كان اتفق على أسس تشكيل الحكومة وفقاً لوثيقة الأسرى ولمس تجاوباً من رئيس الوزراء إسماعيل هنية الذي طلب مهلة للاتصال بصديق في الخارج أي قيادة حماس في دمشق..

وفوجئ أبومازن بوجود اشتراطات مسبقة بعضها تعجيزي كالإفراج عن وزراء ونواب حماس المعتقلين وان تكون رئاسة الحكومة من حماس وان تمثل الفصائل حسب حجمها في البرلمان.. فالرئيس أبومازن لا يستطيع الإفراج عن الوزراء والنواب فهم ليسوا محتجزين في مقر المقاطعة بل لدى الاحتلال.. وهو لا يستطيع فك الحصار عن الحكومة المقبلة إذا كانت حكومة ذات أغلبية من حماس إذ أن الأميركيين ودولاً أوروبية ما زالت ترفض التعاطي مع حكومة حتى لو ضمت وزيراً واحداً من حماس.

وكانت فكرة أبومازن هي الاتفاق على برنامج سياسي للحكومة يتيح لها فك الحصار ثم يتم الاتفاق على الأسماء لاحقاً بحيث تكون حكومة تكنوقراط تحظى بتأييد برلماني. وأكثر ما كان يدفع أبومازن للتسريع بتشكيل حكومة جديدة هو أن الأميركيين وغيرهم ابلغوه أنهم لن يسمحوا بوصول أية أموال لا للرئاسة أو للحكومة وان السلطة التي دفعت هذا الشهر لموظفي السلطة «300 دولار لكل موظف» هي آخر السُلف..

وهذا يعني بدء مرحلة من الاضطراب الداخلي حيث اضرب موظفو السلطة في الضفة عن العمل لمدة يومين، وهددوا بإجراءات تصعيدية أخرى، وهدد المعلمون أيضاً بعدم افتتاح العام الدراسي الجديد ما لم تدفع رواتبهم لأن الأزمة تطال المعلمين وأولياء أمور الطلبة.

ولا احد يعلم كيف ستحل الحكومة هذه المعضلة، فهي لا تملك حلاً ولا تقترح حلاً وإنما تهدد المضربين وتحاول تجنيد أنصارها في سلك التدريس لافتتاح العام الدراسي. ولكن السؤال إلى متى سيصمد الموظفون بلا رواتب؟

وهذا السؤال لا تجد الحكومة إجابة عنه بل ولا تتحدث عن أي مخرج. ويبدو أن أبومازن الذي دعم الحكومة مطولاً وحشد أموالاً باسم الرئاسة لصرفها على الموظفين وجد الحكومة لا تبادله أي دعم ولا تطرح حلولاً موضوعية لانتشال الوضع الفلسطيني من حضيضه..

مفوتة فرصة تراجع إسرائيل عن خطة الانسحاب الأحادي من الضفة بعد حرب لبنان ما يتيح للجانب الفلسطيني التحرك دولياً لإعادة طرح قضيته على الساحة الدولية بهدف عقد مؤتمر دولي جديد لتحريك العملية التفاوضية. الإسرائيليون مرتبكون لكنهم يرممون وضعهم الداخلي والسياسي والعسكري.. فيما الوضع الفلسطيني معطل سياسياً واقتصادياً حتى إشعار آخر.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين