افتتح المؤتمر العالمي الثامن حول الديانة والسلام أعماله أمس في اليابان بتوجيه نداء لنبذ العنف وادانة استغلال جهات متطرفة للدين وطوال فترة انعقاده التي تستمر أربعة أيام يناقش المؤتمر دور الدين وقدرته على التصدي للحروب وأعمال العنف في العالم كما يقول المنظمون.

ولاشك أن هذا المؤتمر يمثل أهمية بالغة في فترة زمنية تشهد صراعات وحروبا تتقنع خلف الدين وتحاول أن تستر دوافعها الحقيقية بتفسيرات وتأويلات مغلوطة لبعض النصوص الدينية، فضلا عن محاولات بذر عوامل التفرقة على أساس ديني أو مذهبي هو في حقيقته تعبير عن صراع سياسي لا علاقة له بالدين من قريب او بعيد.

وتاريخ استغلال الدين من القوى المتطرفة لتحقيق أطماع دنيوية طويل وممتد، فدولة اسرائيل التي تدعي أنها قامت على أساس ديني، يمثل المتدينون فيها نسبة لا تتجاوز 25 بالمائة على أفضل تقدير، والباقون لا يسمحون للدين أن يتدخل في حياتهم من قريب او بعيد، بل ان هناك نسبة من المجتمع الاسرائيلي مشكوك أصلا في انتمائهم للديانة اليهودية كما يؤكد بعض الحاخامات، لأن أمهاتهم لسن يهوديات كما يرى عدد من رجال الدين هناك.

وواقع الأمر أن اسرائيل مشروع استعماري استيطاني، والفكر الصهيوني استثمر بعض التأويلات المغلوطة لاقناع اليهود بفكرة الهجرة إلى (أرض الميعاد) معتبرا أنها عمل تعبدي للرب، ومن يخالفها فانه يعد خارجا عن الديانة اليهودية، بتناقض صريح مع عقيدة كثير من اليهود من بينهم يهود فلسطين قبل انشاء اسرائيل، وتأكيد عدد من الحاخامات في أوروبا وأميركا الذين لم يتأثروا بالفكر الصهيوني المتطرف ان شتات اليهود في مختلف بلدان العالم تم بأمر إلهي، واقامة دولة لهم في أرض فلسطين عصيان صريح لهذا الأمر.

هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني الذين يستتر بالدين، استهدف مؤسسوه ومؤيدوه أن يكون فاصلا جغرافيا يمنع توحد المشرق والمغرب العربي، وهو الهاجس الذي ظل مسيطرا على قوى الاستعمار القديم في أوروبا، وبسببه شنت ما يسمى الحروب الصليبية على بلدان المشرق العربي، بهدف ظاهره حماية طريق الحجاج المسيحيين إلى القدس، وباطنه فرض الهيمنة والسيطرة على البلدان العربية لاستثمار خيراتها ونهب ثرواتها.

ولعلها ليست مصادفة عندما يعيد التاريخ نفسه فيما وصف أنه زلة لسان للرئيس جورج بوش عقب أحداث 11 سبتمبر عندما قال بوضوح: هذه حرب صليبية، وربما هذا ما دفع قسا بريطانيا إلى تأليف كتاب عن الاستغلال السياسي لتأويلات دينية محرفة، يقول فيه: إذا كان الله إله محبة، فلماذا يصورونه عنصريا طائفيا يميل إلى القتل؟

وأصل المسألة لابد أن يفضي بنا إلى التفرقة بين الدين والفكر الديني، فكل الأديان السماوية جاءت لهداية البشر وارساء روح المحبة والتسامح ومكارم الأخلاق بينهم، لكن الفكر الديني هو تفسير البعض للدين بشكل يتفق مع مصالحهم ورؤاهم، وربما لخدمة أهدف سياسية لا علاقة لها بأي دين.

وفي الوقت الذي يتعرض فيه المسلمون لهجوم شرس يصفهم بالارهاب والفاشية، وتحاول بعض القوى الكبرى النيل منهم وغزو بلدانهم واستباحة أرضهم وحرماتهم واستنزاف مواردهم بدعاوى كاذبة مفضوحة مغشوشة، تتبدى الأهمية البالغة لمؤتمر الديانة والسلام، وتتضح مدى الحاجة إلى جهود متواصلة للتقريب بين مختلف الديانات والمذاهب تلك التي يحاول البعض تعميق الخلافات بينها لتصل إلى حد القطيعة .

وبالنسبة للمسلمين فكلهم اخوة تجمعهم عقيدة التوحيد والقرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأي اختلافات خارج هذا الاطار هي قضايا هامشية لا يجب اطلاقا إثارة نعرات الفرقة بسببها، فالانسانية في قارب واحد يريد المتطرفون اغراقه بكل من فيه.