المصالحة الوطنية في العراق عملية معقدة للغاية والقيادات العشائرية المجتمعة في بغداد والشخصيات السياسية والدينية الموجودة في عمان تلتقي في ظروف صعبة ايضا ، وحال العراق وانعكاسات الوضع الاقليمي على القضية العراقية كلها عوامل تجعل تلك المصالحة بمثابة ولادة جديدة اذا قدر لها ان تنجح.

لقد بات الثمن معروفا لجميع الاطراف. القتل والدمار والمآسي الانسانية التي فاقت كل وصف ، والاهم من ذلك الضعف في مواجهة التحديات الناجمة عن بقاء الاحتلال الاجنبي ، وتصادم التحالفات وتصفية الحسابات الداخلية والاقليمية ، وبالتالي فان السبيل الوحيد امام العراقيين على اختلاف انتماءاتهم العرقية والمذهبية وحتى السياسية هو اعادة بناء البيت العراقي على اساس المصالح الوطنية للشعب العراقي ووحدة ارض العراق ضمن حدوده الدولية المعروفة.

من دون ذلك فان دم العراقيين سيتحول الى جدر فاصلة بين القوميات والمذاهب ، وستصب النتائج في حضن اعداء العراق والحاقدين عليه «وما اكثرهم» وسيغيب العراق عن خريطة الدول القوية رغم ما لديه من ثروات وخيرات وقدرات بشرية.

من الطبيعي ان تستعرض تلك المؤتمرات والمشاورات اوراق عمل مقترحة ومبادرات مشجعة كتلك التي ارسلها الشيخ حارث الضاري من عمان والتي تنطوي على رغبة صادقة في التعامل مع بقية الاطراف رغم الجراحات والخلافات ، ولكن من الضروري الا يتسرب اليأس الى قلوب المخلصين بسبب الحوادث اليومية التي تهدف الى تأجيج نار الفتنة واذكاء الحرب الاهلية.

ولا بد ان القائمين على هذا النوع من التحرك المحمود يدركون طبيعة ما يجري في بلدهم وهم ليسوا عاجزين عن معرفة الاسباب والجهات التي تقف وراء التفجيرات والاعمال الارهابية والمجازر البشعة ، وهم ليسوا مطالبين بالتكنيس تحت السجاد وغض النظر عن وجود دوافع صنعتها حسابات واحقاد من الماضي وغذتها اخطاء من الحاضر ، ولا يجوز ان يكون المستقبل مرهونا بيد اعداء العراق بينما الواجب يملي على اهل العراق ان يضعوا حدا للذين يلعبون بهم.

النجاح في هذا السبيل سيشجع اطرافا اخرى على اللحاق بالركب ، والتوقف عن الاقصاء وانكار وجود من هو موجود يجعل التحالف من اجل تحقيق المصالحة اكبر واقوى ، وحين ينحاز العراقيون لعراقيتهم فان الاطراف الاخرى التي تتحالف مع جزء من الشعب العراقي يمكن ان تغير من دورها بعدما اثبتت الاحداث انه ما من فئة تستطيع ان تعيش بسلام وامان وهي معزولة عن الفئات الاخرى لان الشعب العراقي منصهر في بعضه البعض ، والفصل بينه وبينه يشبه تقطيع الجسد الواحد ، وذلك لا يتم الا عن طريق البتر اي الالم والدم.

التمسك بالامل ، والاعتماد على العزائم الصادقة ، وتفعيل التشجيع والمساندة العربية عوامل ضرورية لنجاح المصالحة الوطنية ، والجهود المبذولة على هذا الصعيد لا تقل اهمية عن الانجازات التي تمت على طريق بناء العراق الجديد ، ومع كثير او قليل من الاستعداد للتخلي عن العقد ، وابداء قدر مناسب من التسامح يمكن ان نرى النجاح امرا ممكنا .

ونحن وان ابدينا تفاؤلا حذرا بسبب كثرة العابثين بالعراق ، وقوة المتآمرين عليه والطامعين فيه والحاقدين على شعبه كله ، الا اننا نؤمن بان هذا هو وقت الاختبار الحقيقي للرجال القادرين على مواجهة التحديات والمخلصين للعراق الابي النبيل ، ونحن على ثقة بانهم سيجدون طريق الخلاص لشعبهم ما دام ذلك هو هدفهم الواضح الجلي.